في صيف عام 2017، وبينما كانت الأحداث تتسارع في إقليم الحسيمة، ظهر موسى واعروص كشخصية محورية تتنقل بين بلدات الريف. لم يكن تواجده مجرد زيارة عابرة، بل كان يحمل صفة مزدوجة لافتة: ابن للمنطقة ومقرب من الدائرة الضيقة للرئيس الفرنسي. ووفقاً للمعطيات الميدانية حينها، كان موسى واعروص يجمع المعطيات لرفعها إلى أعلى مستويات السلطة في باريس، في وقت كانت فيه الدبلوماسية الفرنسية تراقب الوضع عن كثب. غير أن هذا المسار السياسي والحقوقي أخذ منعطفاً حاداً وغير متوقع بعد عامين فقط، ليتحول من فاعل سياسي يناقش مطالب الساكنة إلى اسم يتصدر صفحات الحوادث وقضايا الحق العام في الصحافة الفرنسية.
صيف 2017.. تقارير ميدانية من قلب الحسيمة
خلال فترة الحراك، حرص واعروص على توثيق الأحداث ميدانياً. انخرط في توقيع رسائل تضامن مفتوحة رفقة شخصيات يسارية فرنسية، واصفاً الاحتجاجات بأنها حركات سلمية ذات مطالب اجتماعية محضة. هذا الموقف العلني، الذي ترافق مع إعداد تقارير مفصلة حول الوضع، جعله صوتاً مؤثراً داخل الأوساط الفرنسية، وهو ما أثار حينها تساؤلات حول مدى تأثير هذه التقارير على التوجهات الدبلوماسية التقليدية بين باريس والرباط.
أكتوبر 2019.. صدمة التهم الجنائية والتوقيت المريب
في أكتوبر 2019، فجرت صحيفة لينيون الفرنسية مفاجأة من العيار الثقيل، عندما كشفت عن توجيه القضاء الفرنسي لواعروص تهماً تتعلق بشبكة منظمة لتهريب الممنوعات، إثر العثور على كميات كبيرة في مكان تخزين بمدينة ريمس. المثير في القضية أن تفاصيل التحقيق بقيت قيد الكتمان التام إلى أن نشرتها الصحيفة. من جهته، نفى واعروص كافة التهم نفياً قاطعاً، معتبراً إياها تصفية حسابات سياسية مرتبطة بنشاطه ومواقفه من ملف الريف، ومؤكداً تعاونه المطلق مع القضاء لإثبات براءته.

آليات التأثير الدبلوماسي وتقاطع المصالح
تزامن الإعلان عن هذه التهم مع خروج مظاهرات حاشدة في باريس شارك فيها آلاف المغاربة للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الريف. هذا التزامن الزمني دفع العديد من المراقبين إلى تحليل طبيعة عمل شبكات التأثير الدبلوماسي في فرنسا. وتعتمد هذه الشبكات، وفق تقارير إعلامية فرنسية، على مسارات متشابكة تشمل الدبلوماسية الرسمية، الاستثمارات الاقتصادية، والملفات الأمنية المشتركة، مما يجعل أي دعم لملفات حقوقية داخلية مكلفاً من الناحية السياسية.
تقارير دولية توثق النمط: التهم الجنائية كأداة
لم تكن حالة واعروص معزولة، بل تبدو جزءاً من نمط أوسع وثقته منظمات حقوقية دولية. في عام 2022، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً مفصلاً أشار إلى استخدام قضايا الحق العام والجرائم الجنائية كطريقة للتعامل مع النشطاء والصحفيين. وأوضح التقرير أن اللجوء إلى تهم لا علاقة لها بحرية التعبير يهدف بالأساس إلى تشتيت التضامن الدولي والمحلي، وجعل المدافعين عن حقوق الإنسان في موقف حرج أمام الرأي العام، فضلاً عن إبعاد الملفات عن دائرة الرقابة الحقوقية المباشرة.
قراءة في المشهد الموحد للقضايا الحساسة
عند تحليل المسارات القضائية لعدد من الشخصيات البارزة، يبرز قاسم مشترك يتمثل في طبيعة التهم الموجهة. الاعتماد على القانون الجنائي بدلاً من المتابعات السياسية يشكل، بحسب خبراء قانونيين، آلية فعالة لتحويل القضايا ذات البعد العام إلى ملفات شخصية معزولة، مما يضعف زخمها ويحد من تأثير أصحابها في الساحة العامة.
إن قضية موسى واعروص تتجاوز كونها مجرد ملف قضائي فردي، لتطرح تساؤلات جوهرية حول آليات التعامل مع الأصوات المستقلة والنشطاء السياسيين، سواء في الداخل أو الخارج. من الضروري أن تعمل المنظمات الحقوقية والهيئات المدنية على تعميق البحث في القضايا التي تتقاطع فيها المواقف السياسية مع تهم الحق العام، لضمان شفافية الإجراءات وعدم توظيف القضاء لأغراض غير مشروعة. ندعو كافة القراء والمهتمين بالشأن العام إلى مشاركة هذا التحقيق لتوسيع دائرة النقاش حول أهمية توفير ضمانات المحاكمة العادلة وحماية حرية التعبير من أي استهداف غير مباشر.















