في الثاني من يونيو 2026، أعلنت النائبة البرلمانية الهولندية أسماء (إسما) لحلاح عن مغادرة البرلمان الهولندي “تفيردا كامر”، لتتولى منصب عضوة تنفيذية ونائبة عمدة مدينة أمستردام، مكلفةً بثلاثة ملفات جوهرية: التعليم، وتشغيل الشباب، ورعاية الشباب. وبهذه الخطوة تكتب ابنة المهاجر الريفي الذي وطئت قدماه أرض هولندا عام 1970، فصلاً جديداً في مسيرة نضالية هادئة لكنها راسخة.
من هيلموند إلى لاهاي إلى أمستردام
وُلدت أسماء لحلاح بتاريخ 13 أكتوبر 1979 في مدينة هيلموند الهولندية، لأب مغربي ينحدر من منطقة الريف هاجر إلى هولندا عام 1970 في موجة الهجرة العمالية التي أعادت رسم خارطة الديموغرافيا الأوروبية، ولأم هولندية. نشأت في وسط يجمع بين الثقافتين، ودرست في مدرسة مسيحية وتلقّت دروساً في اللغة العربية في آنٍ واحد. وسيكون لهذا المزج المبكر بين الهويتين أثر واضح في مسيرتها لاحقاً.
تخصصت لحلاح أكاديمياً في علم النفس، وأصبحت محاضرةً جامعيةً ومديرةً لبرنامج في جامعة تيلبورغ، متخصصةً في مجالات إساءة معاملة الأطفال والإهمال وتأثير العنف على الأطفال داخل المجتمعات المغربية-الهولندية. وهو اختصاص يكشف عن رؤية اجتماعية نابعة من داخل المجتمع لا من فوقه.
المسار التنفيذي: من تيلبورغ إلى البرلمان وعودة
في يونيو 2018، عُيّنت لحلاح عضوةً تنفيذية مستقلة في مدينة تيلبورغ مكلفةً بملفات التوظيف والدخل ومكافحة الفقر، وهي تجربة أثارت اهتمام الأوساط السياسية الهولندية بفضل مبادراتها غير التقليدية، من بينها منح الأزواج المستفيدين من المساعدات الاجتماعية مهلةً تكيّف عند انتقالهم للعيش سوياً بدلاً من قطع استحقاقاتهم فورياً، وإنشاء “وظائف أساسية” للعاجزين عن الاندماج في سوق العمل الاعتيادية.
في عام 2021 التحقت بحزب الخضر “GroenLinks”، ثم بحزب العمال “PvdA” عام 2023 مع الإعلان عن اندماج الحزبين، لتُوضع مباشرةً في المرتبة الثانية على القائمة الانتخابية المشتركة في الانتخابات التشريعية لنوفمبر 2023، خلف رئيس المفوضية الأوروبية السابق فرانس تيمرمانس، وفوق زعيم الخضر جيسي كلافر. وكان ذلك إشارة واضحة إلى القدر السياسي الذي تحتله لحلاح في نظر اليسار الهولندي.
فازت في الانتخابات العامة لعام 2023 بـ217 ألف صوت تفضيلي، ثم بـ113 ألف صوت في انتخابات 2025.
التوتر في لاهاي والاختيار الواعي
لم تكن السنوات في البرلمان على ما يُرام دائماً. وصفت لحلاح تجربتها في “تفيردا كامر” بأنها كانت مكثفة ومفيدة، لكنها أقرّت بشعور متصاعد بـعدم الارتياح، لا سيما في أعقاب موجة التصريحات العدائية الصادرة عن وزراء حزب PVV اليميني المتطرف بزعامة خيرت فيلدرز، والتي استهدفت بشكل مباشر النساء المحجبات وذوات الأصول المغاربية في الفضاء العام الهولندي.
وكُشف خلال فترة عملها البرلماني أنها كانت قد تقدمت سراً للترشح لمنصب عمدة في كلٍّ من تيلبورغ ودلفت، وهي لا تزال نائبةً في البرلمان، مما أثار موجة انتقادات داخلية، إذ أكد زعيم الخضر جيسي كلافر أنه كان على علم بترشيحها لمنصب في دلفت، لكنه توقع منها إكمال ولايتها البرلمانية الكاملة.
قرارها بقبول منصب نائبة عمدة أمستردام جاء إذن خياراً واعياً وغير مفاجئ في ضوء مسيرتها: امرأة وجدت نفسها في الحكم التنفيذي المحلي أكثر فاعليةً من الخطاب البرلماني. كتبت على إنستغرام في لحظة الإعلان: “أختار أمستردام. أختار الحكم المحلي.”
أمستردام: المدينة التي تستحق المشروع
ليست أمستردام مجرد منصب، بل هي المدينة التي تُجسّد التعقيد الديموغرافي والاجتماعي لهولندا ما بعد الهجرة. نحو نصف سكانها ينحدرون من خلفيات مهاجرة أو متعددة الجنسيات، وتُعدّ من أكثر المدن الأوروبية تنوعاً. وملفات التعليم وتشغيل الشباب ورعاية الشباب التي ستُشرف عليها لحلاح هي من أشد ملفاتها حساسيةً، إذ تقع في قلب التوترات الاجتماعية المتعلقة بالاندماج والفرص والعدالة التعليمية.
والإدارة الجديدة للمدينة تقودها PRO Amsterdam، الكيان السياسي الجديد الذي نشأ من اندماج الخضر والعمال، مما يُشكّل بيئة ملائمة لمشروعها الاجتماعي.
دلالة الرمز وحدوده
يصعب تجاهل البُعد الرمزي في قصة أسماء لحلاح: حفيدة مهاجر ريفي من شمال المغرب تتولى إدارة ملفات التعليم والشباب في عاصمة هولندا الاقتصادية. إنه المسار الذي يُجيب بالوقائع لا بالخطابات على كل من يشكك في قدرة أبناء المهاجرين على الانتماء والإسهام والقيادة.
غير أن الرمزية وحدها لا تكفي. أمستردام تنتظر سياسات تعليمية تُقلّص الهوّة بين أبناء الطبقة الوسطى وأبناء الأحياء الشعبية، وبرامج تشغيل تُقلّص معدلات البطالة في صفوف الشباب المنحدر من خلفيات مهاجرة، ورعاية اجتماعية تصل إلى من لا يصل إليهم الاهتمام الرسمي عادةً. وهذا بالضبط هو المجال الذي أثبتت فيه لحلاح كفاءتها في تيلبورغ.
المدينة أعطتها الملف. والملف يستحق كل ما تملكه.


















