حين يُستعاد اسم جبل العروي أو مونتي أرويت في الذاكرة التاريخية لحرب الريف، لا يُستعاد بوصفه موقعًا جغرافيًا عابرًا، بل باعتباره مسرحًا لإحدى أكثر الصفحات قسوة في الصراع الذي هزّ الوجود الاستعماري الإسباني في شمال المغرب عام 1921.
فالمعركة التي ارتبطت بحصار جبل العروي وما تلاه من انهيار للتمركز الإسباني، ثم المأساة التي انتهت بمجزرة واسعة في حق الجنود الإسبان بعد الاستسلام، ظلت لعقود موضوعًا للجدل بين الرواية العسكرية الإسبانية والرواية الريفية والمغربية، بين من يصفها “كارثة عسكرية” ومن يقرأها ضمن سياق حرب تحررية ضد الاحتلال.
من أنوال إلى العروي
بدأت القصة الكبرى مع هزيمة أنوال في يوليو/تموز 1921، حين انهارت مواقع إسبانية متتالية أمام تقدم قوات الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي، ما فتح الطريق نحو مواقع جديدة من الانسحاب والتمركز الدفاعي الاضطراري.
ومن بين تلك المواقع، برز مونتي أرويت / جبل العروي، الذي تحصنت فيه وحدات إسبانية تقهقرت من جبهة أنوال وما حولها، قبل أن تدخل في حصار مرهق غذائيًا ومعنويًا وعسكريًا، وسط نقص التموين وانهيار خطوط الإمداد.
وتشير المصادر الإسبانية التاريخية إلى أن الجنرال نافارو كان ضمن الضباط الذين تمركزوا في الموقع، وأن القوات المحاصرة عاشت ظروفًا بالغة القسوة، انتهت في ذروة الأحداث إلى مشهد انهيار شامل للخط الدفاعي الإسباني في المنطقة.

ماذا حدث في جبل العروي؟
في الرواية الإسبانية، يُقدَّم جبل العروي باعتباره موضع حصار وانكسار، حيث تراكمت آثار الجوع والعطش والإنهاك النفسي على الجنود المحاصرين، في وقت كانت القوات الريفية تضيق الخناق على الموقع.
أما بعد الاستسلام، فقد تحولت المأساة إلى ما بات يُعرف في الكتابات الإسبانية بـمجزرة مونتي أرويت، حيث قُتل عدد كبير من الجنود بعد تسليم السلاح، بينما أُبقي على بعض الضباط، ومنهم نافارو، أحياءً بغرض الفدية أو التفاوض.
وتفيد مصادر تاريخية إسبانية بأن الموقع عندما أعيد احتلاله لاحقًا في أكتوبر/تشرين الأول 1921، كانت الجثث لا تزال ماثلة في المكان، وأن الرائحة الكريهة لتحللها شكّلت صدمة ميدانية للجنود العائدين.
هذه التفاصيل، التي تظهر كذلك في أرشيفات وصور وكالة إيفي الإسبانية، جعلت من الجبل رمزًا مزدوجًا: رمزًا للانهيار العسكري الإسباني، ورمزًا لتضخيم الذاكرة الاستعمارية للمجزرة لتبرير لاحق لردود فعل أكثر عنفًا من الجيش الإسباني في حرب الريف.
لماذا تُعد المعركة مفصلية؟
أهمية جبل العروي لا تكمن في عدد الضحايا فقط، بل في كونه محطة كشفت انهيار المنظومة العسكرية الإسبانية في الريف الشرقي بعد أنوال، وفضحت هشاشة التمركز الإسباني في مناطق الجبل والداخل.
فمع سقوط المواقع الواحدة تلو الأخرى، دخلت إسبانيا في أزمة سياسية وعسكرية عميقة، كانت لها ارتدادات داخل مدريد نفسها، وأسهمت في إعادة تشكيل الاستراتيجية الاستعمارية لاحقًا.
كما أن المعركة ظلت حاضرة في الذاكرة الإسبانية بوصفها جزءًا من “كارثة أنوال” أو “مأساة أنوال”، وهو توصيف يعكس منظور الجيش المنتصر في السيطرة على الرواية، في حين يظل الريفيون غالبًا خارج هذا السرد أو يُقدَّمون كقوة “تمرد” في الأدبيات الكولونيالية.

بين الصورة والوثيقة
الصور المرفقة من أرشيف EFE، إلى جانب اللوحات التوضيحية المنتشرة في بعض الحسابات والمؤسسات الرقمية، تؤكد أن جبل العروي ليس مجرد عنوان عسكري قديم، بل جزء من ذاكرة بصرية تُعيد إنتاج الحدث بين سردين متناقضين: سردية الهزيمة الإسبانية، وسردية المقاومة الريفية ضد التوسع الاستعماري.
وفي حين تُبرز بعض الرسومات مشاهد “الحصار والخيانة والاستسلام”، تكتفي الوثائق التاريخية الموثوقة بتثبيت الحقائق الأساسية: حصار، استسلام، عدد كبير من القتلى، وإعادة احتلال لاحقة للموقع.
ما الذي يعنيه ذلك اليوم؟
اليوم، حين يُستعاد اسم جبل العروي أو عاوي في الحسيمة والناظور والريف عمومًا، لا يعود السؤال مجردًا: من انتصر ومن انهزم؟ بل يصبح السؤال أوسع: كيف كُتبت هذه الذاكرة؟ ومن يملك حق روايتها؟
فبين الوثيقة العسكرية الإسبانية والشهادة المحلية الريفية، تبقى الحقيقة التاريخية بحاجة إلى قراءة هادئة، دقيقة، ومتحررة من التبسيط، لأن المعركة لم تكن مجرد حدث عسكري، بل لحظة مفصلية في تشكل سردية الريف الحديثة.



















