في موقف يختصر الكثير من المعاني الإنسانية والحقوقية، عبّر النقيب محمد زيان، وهو نفسه معتقل سياسي، عن تضامنه مع السيدة زوليخة سيحدو، والدة ناصر الزفزافي، المعروفة لدى كثيرين بـ”أم كل الريفيين”. هذا التضامن لم يكن مجرد مجاملة عابرة، بل شهادة من داخل الألم نفسه، ومن قلب تجربة الاعتقال التي يعرف صاحبها جيدًا معنى القهر، ومعنى أن تُستهدف العائلات قبل الأبناء، وأن تتحول الأمهات إلى رمز للصبر والثبات.
النقيب زيان تحدث بوضوح عن السيدة زوليخة، حين وصفها بالمرأة الرزينة، الواعية بتفاصيل القضية، والمؤمنة بعدالة ابنها، والتي ظلت حاضرة في المسيرات الليلية بالحسيمة، في صفوف الأمهات اللواتي حملن وجعهن بصمت وكرامة. كما أشار إلى أنها أم مريضة بالسرطان، تعيش قسوة المرض كما تعيش قسوة الغياب والانتظار، بعد أن فقدت زوجها أحمد الزفزافي رحمه الله. لذلك فإن ما كتبه زيان ليس فقط تضامنًا مع أم، بل دفاع عن إنسانية يجب ألا تُمس، وعن قيمة الأم التي تُهان حين يُصادر حقها في الفخر بابنها أو القلق عليه.
إن هذا النوع من المواقف يذكّرنا بأن قضية المعتقلين السياسيين في المغرب ليست قضية أشخاص فقط، بل قضية كرامة وعدالة وحق في الاختلاف. فالاعتقال بسبب الرأي أو الموقف أو الانتماء إلى احتجاج اجتماعي سلمي لا يمكن أن يُبنى عليه استقرار حقيقي، لأن الاستقرار لا يُصنع بالصمت القسري، بل بالإنصاف وفتح أبواب الحلول السياسية العادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن التضامن مع السيدة زوليخة سيحدو يجب أن يتجاوز حدود التعاطف الإنساني إلى موقف أوسع وأوضح: المطالبة بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين في المغرب، وطي هذا الملف بما يضمن الكرامة، ويعيد الاعتبار للأسر، ويمنح الوطن فرصة جديدة للمصالحة مع نفسه. فالمغرب القوي لا يخاف من أصوات أبنائه، ولا من أمهاتهم، بل يعلو حين يختار العدالة بدل الإقصاء، والحكمة بدل التوتر، والحرية بدل الألم الممتد.
إن أمهات المعتقلين لسن تفاصيل هامشية في هذه القضايا، بل هنّ الوجع الأصدق، والمرآة التي تكشف الثمن الإنساني الباهظ لكل ملف سياسي مفتوح. ومن هنا، يبقى صوت زيان، رغم قيده، شاهدًا على أن التضامن لا يُعتقل، وأن الكلمة الحرة قد تصدر من خلف القضبان، لكنها تظل أوسع من الجدران.



















