حقوق الراجلين تحت وطأة العشوائية الحضرية
في الوقت الذي ترفع فيه شعارات التنمية والجمالية الحضرية، تظهر في شوارع الحسيمة مشاهد يومية تعكس واقعاً مغايراً تماماً؛ أمهات يدفعن عربات أطفالهن وسط الطريق المزدحم بالسيارات، ومسنون يغامرون بسلامتهم الجسدية، والسبب بسيط ومحزن في آن واحد: الأرصفة التي خُصصت لحمايتهم باتت محتلة بالكامل بواسطة حاويات النفايات.
لم يعد الأمر مجرد خلل تقني عابر أو سوء تدبير مؤقت يمكن التغاضي عنه، بل أصبح سؤالاً حقيقياً ومباشراً يمس جوهر المسؤولية التدبيرية، ويسائل الجهات المعنية عن مدى جديتها في حماية حق المواطن البسيط في المرور الآمن داخل فضائه الحضري.

من يحاسب هذا العبث التدبيري؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة في الشارع الحسيمي ليس فقط أين يجب أن توضع هذه الحاويات، بل من قرر أصلًا أن يُضحّى بالرصيف عوض احترام وظيفته الطبيعية؟ فالرصيف ليس مساحة ثانوية مهملة، ولا امتداداً احتياطياً لرمي المخلفات، بل هو فضاء حيوي ملك للراجلين، للأطفال، لكبار السن، ولذوي الاحتياجات الخاصة الذين يجدون أنفسهم اليوم أمام حواجز إسمنتية وبلاستيكية تقطع عليهم طريق المرور الآمن.
عندما يُسلب هذا الحق البسيط والبديهي، فإننا لا نكون أمام مجرد اختلال عمراني بسيط، بل أمام استخفاف واضح بسلامة المواطنين اليومية. ويتساءل فاعلون محليون كيف يمكن للمسؤولين والمنتخبين أن يمروا يومياً قرب هذه المشاهد الصادمة دون أن يثير ذلك حفيظتهم أو يدفعهم للتفكير في الخطر المحدق بالمارة.
السلامة الجسدية ليست ترفاً إضافياً
المشكلة في عمقها أخطر بكثير مما يبدو على السطح؛ فحين يُجبر المواطن على النزول إلى معترك الطريق المخصص للسيارات، فإنه لا يواجه فقط خطر الازدحام، بل يواجه احتمال التعرض لحوادث السير، والإنزلاق، وغياب الرؤية الواضحة في الفترات الليلية. هذا الوضع يفرز قاعدة معكوسة غريبة: بدل أن تخدم تجهيزات المدينة سكانها وتوفر لهم سبل الراحة، يصبح السكان هم المطالبون بالتكيف والتعايش مع فوضى تنظيمية لم يساهموا في خلقها.
إن هذا السلوك التدبيري يبعث برسائل سلبية وخطيرة للرأي العام، توحي بأن حقوق المشاة يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر، وبأن التنظيم الحضري والجمالي للمدينة هو مجرد ترف شكلي لا يحظى بالأولوية لدى أصحاب القرار المحلي.

أين غاب التخطيط المسؤول؟
لا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير هذا الوضع بالصدفة أو الضغط المؤقت. فالمشكل الحقيقي لا يكمن في وجود حاويات النفايات بحد ذاتها كأداة ضرورية للنظافة، بل في غياب التخطيط المسبق والعقلاني الذي يحدد مواقعها بذكاء ومسؤولية تراعي ممرات الراجلين. أي تدبير حضري يحترم نفسه يفترض فيه أن يدرس مسارات المارة بدقة، وأن يبتعد كلياً عن الأرصفة المخصصة للمشي الآمن.
لذلك، فإن المسألة تتجاوز الطابع التقني لتصبح قضية إدارية وتنظيمية بامتياز؛ فكل حاوية وُضعت في غير محلها هي دليل ملموس على وجود خلل في التنسيق والمصادقة والمتابعة الميدانية من طرف المصالح المختصة التي تغض الطرف عن حماية سلامة المارة.
مطالب مشروعة بقرارات حاسمة
المواطن في الحسيمة لا يطلب المستحيل، بل يطالب بأبسط حقوقه الطبيعية والمشروعة: السير فوق رصيف نظيف، آمن، وصالح للمشي، دون الاضطرار للمناورة بين السيارات السريعة. ومن هنا، يرى المتتبعون للشأن المحلي أنه من الواجب على المسؤولين، إقليمياً ومحلياً، تقديم توضيحات مقنعة حول كيفية تدبير هذه النقاط السوداء، ولماذا تستمر هذه العشوائية رغم الشكايات المستمرة.
الخروج من هذه الفوضى لا يتطلب بلاغات إنشائية أو وعوداً موسمية عابرة، بل يقتضي اتخاذ قرار حازم وعملي يعيد للأرصفة وظيفتها الحيوية، ويضع الحاويات في أماكن بديلة ومناسبة تحافظ على جمالية المدينة وتضمن في الآن ذاته كرامة وأمن عابريها.

















