تخرج كلمات خاتشي زوليخة، والدة ناصر الزفزافي، من قلب مكلوم لا من لسانٍ غاضب فقط. فهي لا تُلقي خطابًا سياسيًا عابرًا، بل تُطلق لعنة مظلومة على واقعٍ طال أمده، وعلى دولةٍ ما زالت تتعامل مع ملف الريف بمنطق التأجيل والبرودة، وكأن الزمن كفيل وحده بطمس الألم.
في صبيحة عيد الأضحى، حين يفترض أن تكون اللحظة مناسبة للفرح والتقارب، جاءت رسالة الأم الريفية الثقيلة لتذكّر الجميع بأن هناك بيوتًا لا يزورها العيد، وأن هناك أمهات لا يذقن طعمًا للمناسبة ما دام أبناؤهن خلف القضبان. قولها: “أنا أدعوكم إلى الله حتى يأخذ لي حقي منكم” ليس مجرد انفعال عاطفي، بل تلخيص قاسٍ لوضعية أسرةٍ ترى أن العدالة لم تعد تُمارس، بل تُؤجَّل، وأن الإنصاف لم يعد وعدًا، بل مجرد صدى بعيد.
وجع لا يُردّ بالشعارات
ما قالته خاتشي زوليخة لا يمكن قراءته خارج سياقه الكامل: أمٌّ لم تعد تنتظر من الخطاب الرسمي شيئًا، ولا ترى أمامها سوى السماء لترفع إليها شكواها.
وحين تقول: “عيدوا أنتم وافرحوا أنتم” فهي لا تمارس استعطافًا، بل تفضح الفجوة الهائلة بين دولةٍ تحتفل بمناسباتها العامة، وبين عائلات تُدفع دفعًا إلى العيش في حداد دائم. هنا لا يعود العيد رمزًا للفرح، بل مناسبة لتكريس الشعور بالظلم، لأن الغائب عن البيت ليس فقط الابن، بل أيضًا الإحساس بأن الوطن يسمع.
هذه الكلمات تحمل في طياتها ما هو أبعد من الألم الشخصي. إنها شهادة اجتماعية وسياسية على أن ملف معتقلي حراك الريف لم يعد ملفًا قضائيًا فحسب، بل صار جرحًا متوارثًا بين الأمهات والآباء والإخوة، ومرآة لعجز الدولة عن إيجاد مخرج يليق بثقل القضية.

الرايات السوداء
أقسى ما في الرسالة ليس الدعاء على الخصوم، بل صورة “الرايات السوداء” التي رفعتها الأم في وجه من تعتبرهم سببًا في هذا الانكسار.
هذه العبارة ليست شعارًا سياسيًا، بل استعارة عن الحداد الذي يخيّم على البيت والذاكرة والوجدان. هي تقول ببساطة إن هناك فرحًا لا يشبه فرح الآخرين، وإن العيد عندهم ليس عيدًا كاملًا، بل موسم ألمٍ مؤجل.
وحين تردّ الأم سواد قلوب من ظلموها بسواد الرايات، فهي لا تذهب إلى المبالغة اللغوية بقدر ما تترجم خيبةً أخلاقية عميقة من دولة لم تُنهِ هذا الملف بعد، ولم تُقنع أصحاب الحق بأن العدالة ما تزال ممكنة.
دولة تتأخر عن أبسط بديهياتها
الرسالة التي أطلقتها والدة ناصر الزفزافي تعيد طرح السؤال القديم الجديد: إلى متى ستبقى الدولة المغربية عاجزة عن تحويل ملف الريف من ملف أمني إلى ملف مصالحة؟
كلما تأخر الحل، ازدادت اللغة حدة، وازدادت القلوب تصلبًا، وبدت الدولة وكأنها تختبر صبر العائلات بدل أن تختبر شجاعتها في طي الصفحة.
المشكلة ليست في غضب الأم، بل في إنتاج الغضب نفسه عبر سنوات طويلة من الانتظار، والانطباع المتراكم بأن الملف يُدار بمنطق الاحتواء لا بمنطق الإنصاف.
وإذا كانت الدولة تريد حقًا أن تطوي هذا الجرح، فإن البداية لا تكون ببلاغٍ يطلب الهدوء، بل بإشارة سياسية وإنسانية تُعيد الاعتبار للعائلات، وتُفهم الناس أن الوطن لا يعاقب أبناءه مرتين: مرة حين يُسجنون، ومرة حين يُطلب من أمهاتهم الصمت.
ناصر الزفزافي كرمز لا كاسم
في هذا السياق، لم يعد ناصر الزفزافي مجرد اسم في ملف قضائي، بل أصبح أيقونةً لمرحلة كاملة، تمثل ذاكرة الحراك ومآلاته وتكلفته الإنسانية.
ولذلك، فإن كل كلمة تقولها والدته اليوم تتجاوز الابن إلى المعنى العام: معنى أن تبقى القضية مفتوحة، وأن يبقى السؤال نفسه معلقًا، وأن يتحول الألم إلى جزء من الحياة اليومية لأسرة بأكملها.
ومن هنا، فإن صرخة خاتشي زوليخة ليست موجّهة إلى أشخاص بعينهم فقط، بل إلى من يديرون البلد بعقلٍ ما زال يعتقد أن الزمن كفيل بإطفاء النار، بينما الحقيقة أن النار كلما أُهملت، التهمت ما حولها أكثر.
ما بعد الصرخة
الذين سمعوا الرسالة وفهموا عمقها يدركون أن هذه ليست لحظة شعبوية عابرة، بل مفارقة وطنية مؤلمة: أمٌّ تلجأ إلى الله كي يأخذ لها حقها، لأن الأرض لم تعد تمنحها اليقين.
وهذا بالضبط ما يجعل تصريحها حارقًا إلى هذا الحد: لأنه لم يصدر عن زعيم حزب، ولا عن ناشط يبحث عن الأضواء، بل عن أمّ أنهكها الانتظار حتى صار الدعاء هو آخر أشكال المقاومة.
إن أقل ما يمكن أن يفعله أصحاب القرار اليوم هو أن يصغوا.
لأن الصمت بعد هذا النوع من الرسائل لا يبدو حكمة، بل استمرارًا في الجرح.
ولأن الدولة التي لا تسمع أمًّا تبكي ابنها، ثم تطلب من الجميع أن ينسوا، لا تُطفئ الملف، بل تُبقيه مفتوحًا في وجدان البلاد كلها.



















