في الذكرى العاشرة لوفاة محسن فكري، رسالة منسوبة إلى ناصر الزفزافي تدافع عن مطالب حراك الريف، وترد على رواية رفض العفو وحملات استهداف عائلته
الحسيمة – حسيمة سيتي
في رسالة منسوبة إليه من داخل سجن طنجة، استعاد ناصر الزفزافي الذكرى العاشرة لوفاة محسن فكري ليعيد طرح الأسئلة التي فجّرها حراك الريف، ويوجه، في الوقت نفسه، ردا مباشرا على ما وصفه بحملات التشهير التي تطال عائلته ومحاولات التشكيك في الرسائل التي ينشرها شقيقه طارق باسمه.
الرسالة، التي يذكر صاحبها أنه اختار إيصالها عبر حنان حاكي، شقيقة رفيقه المعتقل محمد حاكي، تجمع بين الدفاع عن مشروعية الحراك ومطالبه الاجتماعية، ونفي رواية رفض العفو، وإعلان موقف حاسم من توظيف القضية للمصلحة الشخصية أو استعمال التضامن غطاء للإساءة إلى الآخرين.
وفي أبرز ما ورد فيها، أكد الزفزافي: «كل ما ينشره أخي طارق الزفزافي على صفحته الشخصية باسمي يعود لي بالكامل»، واضعا بذلك مسألة نقل كلامه في صلب الرد على الاتهامات التي قال إن شقيقه يتعرض لها.
محسن فكري… ذكرى تعيد فتح السؤال
لم يتعامل الزفزافي مع ذكرى وفاة محسن فكري باعتبارها مناسبة للرثاء وحده. فقد استعادها بوصفها اللحظة التي أطلقت حراكا حمل، وفق الرسالة، مطالب في التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وخاض احتجاجات وصفها بالسلمية والحضارية.
وفي مقابل هذه المطالب، اتهم الدولة باختيار القوة والاعتقالات بدل الحوار، واعتبر المتابعات القضائية التي طالت النشطاء وسيلة لإسكاتهم ومعاقبتهم على مواقفهم. وهي اتهامات يوردها صاحب الرسالة من موقعه طرفا في الملف، وليست أحكاما مستقلة يثبتها النص وحده.
لكن السؤال الذي يبني عليه موقفه يتجاوز الدفاع عن تجربته الشخصية: هل صنع الحراك أزمة الريف، أم كشف أزمة كانت قائمة قبله؟
للرد على من يحملون الاحتجاج مسؤولية أوضاع المنطقة، استحضر الزفزافي موجات الهجرة خلال العقود السابقة، وماضي الانتهاكات، وتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة. ومن خلال ذلك، رفض اختزال اختلالات ممتدة في حركة احتجاجية ظهرت للمطالبة بمعالجتها.
إنها محاولة لإعادة ترتيب النقاش: قبل محاسبة المحتجين على تداعيات احتجاجهم، يسأل عن الأسباب التي دفعتهم أصلا إلى الشارع.
نفي رواية رفض العفو
خصصت الرسالة حيزا واضحا لما يُتداول عن صدور عفو عن المعتقلين ورفضهم الاستفادة منه. ونفى الزفزافي هذه الرواية، واصفا إياها بأنها «أخبار كاذبة وعارية تماما من الصحة».
وربط نفيه بتأكيد براءته ورفاقه من الاتهامات المنسوبة إليهم، معتبرا أن ما تعرضوا له كان، بحسب تعبيره، «تصفية حسابات سياسية».
وتبرز أهمية هذا الرد في أنه يواجه رواية تحمل المعتقلين مسؤولية استمرار سجنهم. فالقول إنهم رفضوا الخروج ينقل النقاش من سؤال إنهاء الاعتقال إلى سؤال قبولهم تسوية مفترضة؛ وهو التحول الذي ترفضه الرسالة بصورة صريحة.
أما التفسير القانوني الذي قدمه بشأن تنفيذ العفو، فيبقى موقفا واردا في النص، ولا يغني عن الرجوع إلى القرارات والوثائق الرسمية عند بحث أي حالة بعينها.
ستة معتقلين… وجرح لم يُغلق
بحسب الرسالة، لا يزال ستة من معتقلي الحراك في السجن، بعدما أُفرج عن آخرين أو انتهت مدد محكوميتهم. واستحضر الزفزافي ما قال إنه تعذيب جسدي ونفسي تعرض له نشطاء أثناء الاعتقال والاستنطاق، كما تحدث عن دعوات سابقة إلى تصفيتهم جسديا، واتهم النيابة العامة بعدم التحرك بشأنها.
هذه ادعاءات خطيرة تستوجب، في أي معالجة مستقلة للملف، فحص الوقائع والوثائق والاستماع إلى الأطراف المعنية. غير أن حضورها في الرسالة يكشف أن صاحبها لا يرى السجن واقعة منفصلة عن مسار أوسع من الانتهاكات التي يقول إن المعتقلين تعرضوا لها.
ومن هذا المنطلق، ربط تقوية الجبهة الداخلية باحترام حقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية والمحاسبة والإفراج عن المعتقلين السياسيين. وفي منطقه، لا تُبنى الثقة باستمرار تقييد الأصوات المخالفة، بل بمعالجة أسباب القطيعة.
دفاع مباشر عن طارق والعائلة
أخذت الرسالة منحى شخصيا واضحا عند الحديث عن والدته وشقيقه طارق وزوجته وبقية أفراد أسرته. فقد استنكر الزفزافي ما وصفه بحملات سب وتشويه تمسهم، ونسبها إلى جهات وأشخاص يتهمهم بالسعي إلى الضغط عليه وعزل صوته.
ولم يكتف بالدفاع عن حق عائلته في الحماية من الإساءة، بل رد تحديدا على اتهام طارق باختلاق رسائل ونسبتها إليه. وأكد أن شقيقه لا يكتب من خياله كلاما ثم يقدمه على أنه صادر عنه.
وفي ختام النص، أوضح أن اختياره حنان حاكي لإيصال هذه الرسالة جاء، بحسب قوله، لقطع الطريق على هذا التشكيك. كما قدم اعتذارا إلى طارق عما يتحمله بسببه من هجمات واتهامات، معبرا عن اعتزازه به وبصبره.
هنا تتجاوز الرسالة مجرد الدفاع العائلي؛ إنها تتناول مسألة من يملك حق نقل صوت المعتقل، وكيف يمكن التشكيك في الوسيط أن يتحول إلى تشكيك في الكلام نفسه، ثم إلى حجب صاحبه عن النقاش العام.
لا تضامن يبرر التشهير
من أكثر مواقف الرسالة وضوحا رفض الزفزافي أن يُستعمل الدفاع عنه مبررا للإساءة إلى أسرته أو إلى غيرها. فقد أعلن تبرؤه ممن يوجه اتهامات باطلة أو سبا إلى أفراد عائلته، حتى لو ادعى التعاطف معه.
ووسع هذا الموقف ليشمل رفض الخوض في أعراض الأمهات والآباء والحياة الخاصة للأشخاص عبر منصات التواصل الاجتماعي، داعيا إلى مواجهة التشهير والانحطاط في الخطاب.
هذه النقطة تمنح الرسالة بعدا يتجاوز الخلافات المحيطة بالحراك: الانتماء إلى قضية عادلة، أو الادعاء بالدفاع عنها، لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية تبيح له إيذاء الآخرين.
وبالمنطق نفسه، رفض الزفزافي تحميله مسؤولية مواقف كل شخص جمعته به صورة أو تواصل عابر. وأكد أنه مسؤول عما يقوله ويفعله هو، لا عن جميع تصرفات الآخرين واختياراتهم.
رفض تحويل الحراك إلى مورد شخصي
وجه الزفزافي كذلك انتقادا إلى كل من يحاول تحويل الحراك إلى وسيلة للكسب الشخصي أو المادي. ولم يحدد النص، في هذا الجانب، أسماء أو وقائع مفصلة تتيح نسبة هذا الاتهام إلى أشخاص بعينهم.
ومع ذلك، فإن الموقف الذي يعلنه واضح: لا يساوي بين التضامن الصادق وبين استثمار القضية لبناء مصلحة خاصة، ولا يمنح تزكية مفتوحة لكل من يرفع اسم الحراك أو يتحدث باسمه.
وفي المقابل، جدد تقديره للمتضامنين، من أصحاب الكلمات والتدوينات والمقالات إلى المشاركين في الوقفات والمسيرات. وأكد أن كل تحرك سلمي يحترم أخلاق النضال ومبادئه يعبر عنه، أينما نُظم.
وهكذا يضع النص معيارا مزدوجا: دعم المطالبة بالحرية، ورفض الوسائل التي تناقض الكرامة التي قامت عليها المطالبة.
رسالة لاستعادة الصوت وضبط معناه
لا تقتصر هذه الرسالة على استعادة ذكرى محسن فكري أو المطالبة بالإفراج. إنها أيضا محاولة من صاحبها لاستعادة السيطرة على معنى كلامه: ينفي رفض العفو، ويؤكد مصدر الرسائل التي ينقلها شقيقه، ويفصل بين التضامن والتشهير، وبين الدفاع عن الحراك والاتجار باسمه.
ويبقى جوهرها أن استمرار السجن لم يُنهِ الخلاف حول الملف، ولم يسحب منه أسئلته السياسية والحقوقية والإنسانية.
وفي الذكرى العاشرة لوفاة محسن فكري، يعيد الزفزافي، عبر النص المنسوب إليه، القضية إلى النقطة التي يريد تثبيتها: المطالبة بالكرامة لا تنفصل عن صون كرامة الناس، والدفاع عن الحرية لا يبرر الإساءة، وصوت المعتقل لا يجوز اختزاله في الروايات التي ينسجها عنه خصومه أو المتحدثون باسمه.



