\nعاد مشروع نفق جبل طارق السككي للربط القاري بين إفريقيا وأوروبا إلى دائرة الاهتمام الدولي، مع إطلاق دراسات تقنية جديدة وتمويلات عمومية إسبانية تروم اختبار جدوى حفر ممر آمن تحت مياه البحر المضطربة. ويطرح هذا المشروع، الذي راود مخيلة المهندسين والسياسيين لأكثر من قرن من الزمن، وعداً كبيراً يتمثل في تقليص زمن العبور بين الضفتين وتحويل الرحلة عبر المضيق إلى مسار أقرب إلى التنقل اليومي المعتاد، فضلاً عن فتح ممر شحن استراتيجي يعيد رسم الخارطة التجارية في المنطقة.\n\nمع ذلك، فإن الطريق نحو التنزيل العملي للمشروع لا تزال محفوفة بالصعاب. فالمضيق ليس مجرد فراغ جغرافي فاصل بين قارتين، بل ممر مائي عالي الحركية ومنطقة تتداخل فيها التعقيدات الجيولوجية والأمنية والبيئية، وهي عوامل أساسية ستحدد ما إذا كان المشروع سيرى النور قريباً أم سيستمر كفكرة مؤجلة.\n\n
تفاصيل تقنية ومسارات مقترحة للربط السككي
\nوتشير إحدى الصيغ الهندسية المتداولة في الأوساط الرسمية إلى تشييد نفق سككي مزدوج الأنبوب، مدعوم بنفق خدمات خاص بالتدخل والصيانة، بطول إجمالي يبلغ 38,7 كيلومتراً، منها حوالي 27,7 كيلومتراً ستمتد تحت قاع البحر. وتكشف المعطيات الفنية عن عمق أقصى يقارب 475 متراً تحت مستوى سطح البحر، بانحدار طفيف وممرات عرضية مخصصة للنجاة والإخلاء موزعة كل 340 متراً.\n\nغير أن أرقاماً ودراسات أخرى حديثة، مثل تلك المنسوبة إلى شركة \”Herrenknecht\” الألمانية الرائدة في صناعة آلات حفر الأنفاق، تشير إلى إمكانية اعتماد مسار أطول يصل إلى 65 كيلومتراً لضمان سلامة البناء، مع أفق زمني للإنجاز يتراوح بين عامي 2035 و2040.\n\n
تمويلات مدريد وأبحاث قاع البحر
\nوفي خطوة عملية تعكس جدية الجانب الأوروبي، خصصت وزارة النقل والتنقل المستدام الإسبانية مبلغ 1,73 مليون يورو لفائدة الشركة الإسبانية لدراسات الاتصال الثابت عبر مضيق جبل طارق (SECEGSA)، الموكل إليها الإشراف على الجانب الإسباني من المشروع، من أجل تمويل سلسلة من الدراسات التقنية المعمقة.\n\nكما جرى تكليف المجلس الأعلى للبحث العلمي في إسبانيا (CSIC) بإجراء مسوحات جيوفيزيائية دقيقة لقاع البحر في منطقة عتبة كامارينال، بهدف معالجة البيانات وبناء نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد عالي الدقة يتيح فهم طبيعة الطبقات الصخرية والرسوبية بدقة متناهية تفادياً لأي مفاجآت جيولوجية أثناء الحفر.\n\n
الرهان المناخي ومخاوف البيئة البحرية
\nتستند الحجج الترويجية للمشروع إلى رهان بيئي ومناخي قوي؛ حيث يمثل قطاع النقل البري والجوي ربع انبعاثات الغازات الدفيئة في الاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنطلق، يتم تقديم نفق جبل طارق السككي كبديل مستدام وصديق للبيئة قادر على استيعاب حركة شحن البضائع والمسافرين والتقليل من الاعتماد على الطيران قصير المدى والنقل الطرقي المستهلك للطاقة.\n\nومع ذلك، تظل البصمة البيئية للمشروع مرتبطة بمصادر الطاقة الكهربائية المستخدمة وحجم التدفقات ومستوى التحكم في التداعيات البيئية خلال مرحلة التشييد الطويلة. وتبرز المخاوف بشكل واضح فيما يتعلق بالتأثير على النظم البيئية البحرية في المضيق، الذي يعد معبراً رئيسياً لثدييات بحرية وحيتان محمية تهاجر بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وهو ما يضع تحديات إضافية أمام دراسات الأثر البيئي العابرة للحدود.\n\n
عقبة الكلفة المالية ومعايير الأمن والسلامة
\nتعتبر الكلفة المالية التقديرية أحد أكبر التحديات التي تواجه شركاء المشروع؛ حيث تتراوح الأرقام الأولية المتداولة بين 9 مليارات يورو وأرقام تفوق ذلك بكثير. وتظهر مقارنات تاريخية للمشاريع الكبرى أن البنيات التحتية السككية تسجل عادةً تجاوزاً في الميزانية المقررة بمتوسط يصل إلى 44,7 في المائة، بينما تسجل الأنفاق والجسور تجاوزاً بنسبة 33,8 في المائة، مما يتطلب تخطيطاً مالياً صارماً لتفادي تعثر الأشغال.\n\nوإلى جانب الجوانب الهندسية والمالية، تفرض القوانين الأوروبية الحديثة المتعلقة بمرونة البنيات التحتية الحيوية مقاربات أمنية متكاملة لتقييم المخاطر السيبرانية وحماية أنظمة التحكم والتهوية والإخلاء، مما يجعل نفق جبل طارق مشروعاً استراتيجياً يتجاوز أبعاده الاقتصادية البسيطة نحو منطق السيادة والسلامة المشتركة بين الضفتين.
















