المدرسة التي يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً للتحصيل العلمي وبناء القيم، تتحول أحياناً إلى مسرح لوقائع تترك ندوباً غائرة في نفوس المتمدرسين. في هذا السياق، انطلقت يوم الثلاثاء 22 أبريل الجاري، بمحكمة الاستئناف بمراكش، أولى جلسات محاكمة أستاذ لمادة التربية الإسلامية، على خلفية اتهامات ثقيلة تتعلق بالاعتداء والتحرش بخمسة تلاميذ يتابعون دراستهم بجماعة مجاط، التابعة لإقليم شيشاوة.
بداية القضية: رسالة إلكترونية تكسر جدار الصمت
لم تكن الواقعة لتخرج إلى العلن لولا مبادرة أحد التلاميذ بكسر حاجز الخوف. تفجرت القضية عندما تقدم التلميذ بشكاية لأسرته، كشف فيها عن تعرضه لممارسات غير لائقة عبر تطبيق التراسل الفوري “واتساب”. هذا المعطى دفع الأسرة إلى التوجه فوراً نحو مركز الدرك الملكي بأحد مجاط بتاريخ 4 أبريل 2026، لوضع شكاية رسمية تضع السلطات أمام مسؤولية فتح تحقيق عاجل.
آليات الاستدراج: وعود بالنقاط واستغلال للهشاشة
تشير المعطيات المتوفرة من التحقيقات الأولية إلى أن المشتبه فيه قد يكون اعتمد على آليات استدراج استغلت بشكل مباشر وضعية التلاميذ. وتوضح الوقائع الميدانية المُسجلة في المحاضر، أنه يُشتبه في تقديم الأستاذ لإغراءات تنوعت بين منح نقط إضافية، التوسط لدى الإدارة التربوية، وتقديم مبالغ مالية بسيطة ومساعدات دراسية.
وما يزيد من حساسية الملف، هو ما كشفت عنه التحقيقات من شبهات حول تطور بعض هذه الأفعال إلى اعتداءات جسدية ذات طابع جنسي في وقائع متفرقة جرت خارج أسوار المؤسسة التعليمية، مستغلاً في ذلك هشاشة بعض التلاميذ أو ظروف إقامتهم في “دار الطالب”، وهو ما يضع نظام الحماية الاجتماعية والمدرسية تحت المجهر.
المسار القانوني: من التوقيف إلى قفص الاتهام
تفاعلاً مع الشكايات المرفوعة من طرف أولياء الأمور، باشرت عناصر الدرك الملكي تحركاتها، حيث جرى توقيف المشتبه فيه يوم 6 أبريل الجاري. وبأمر من النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بمراكش، تم وضعه تحت تدابير الحراسة النظرية لتعميق البحث، وهو مسار قانوني يهدف إلى الكشف عن جميع الملابسات والتأكد من احتمال وجود تلاميذ آخرين قد يكونوا طالهم نفس الضرر.
الأثر الإنساني: من يحمي الفئات الهشة؟
يُطرح هذا التطور في القضية أسئلة جوهرية تتجاوز حدود المسؤولية الجنائية الفردية، لتلامس منظومة الرعاية واليقظة داخل محيط المؤسسات التعليمية ومرافق الإيواء الاجتماعي. إن استغلال الحاجة الأكاديمية أو المادية للمتعلمين يسائل مدى فاعلية آليات التبليغ والاستماع داخل المؤسسات التربوية. في انتظار ما ستسفر عنه جلسات المحاكمة من أحكام بناءً على الأدلة والقرائن، يبقى الأثر النفسي والاجتماعي على التلاميذ المعنيين وأسرهم الجرح الأعمق الذي يتطلب مواكبة مستعجلة تتجاوز المقاربة الأمنية والقانونية.



















