في الساعات الأخيرة، برزت باكستان كقناة وساطة نشطة بعدما سلّمت واشنطن وطهران إطاراً من مرحلتين لوقف الأعمال القتالية، يبدأ بوقف فوري لإطلاق النار ثم ينتقل إلى تفاوض على اتفاق أشمل لإنهاء الحرب.
لكن تفاصيل المقترح نفسها تكشف أن ما يجري ليس سلاماً جاهزاً، بل هندسة سياسية معقدة؛ فبعض المصادر تتحدث عن هدنة لمدة 45 يوماً، بينما تنقل روايات أخرى أن الإطار الأصلي يمنح 15 إلى 20 يوماً فقط لاستكمال التسوية النهائية بعد بدء وقف النار.
هذا التباين مهم، لأنه يعني أن “هدنة الـ45 يوماً” قد تكون جزءاً من التسويق السياسي للمبادرة أكثر من كونها بنداً نهائياً محسوباً ومُتفقاً عليه بين كل الأطراف حتى الآن.
نوايا ترامب
إذا جُمعت تصريحات ترامب خلال الأيام الأخيرة، فإن الصورة تبدو واضحة: الرجل يهدد بـ“الجحيم”، ويتوعد بضرب محطات الطاقة والجسور، وفي الوقت نفسه يقول إن المفاوضات “عميقة” وإن هناك “فرصة جيدة” للتوصل إلى اتفاق قبل انتهاء المهلة.
هذا التناقض ليس ارتباكاً، بل أسلوب تفاوض؛ فترامب يحاول رفع الكلفة القصوى على إيران ثم تقديم التراجع عن التدمير الشامل بوصفه “تنازلاً أمريكياً” يجب أن يُقابل بتنازلات إيرانية أكبر في النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي.
ومن زاوية أقرب إلى القراءة الإيرانية، فإن واشنطن لا تبحث عن تسوية متوازنة، بل عن وقف نار يجمّد فاعلية الرد الإيراني ويحوّل الإنجاز الميداني الإيراني النسبي إلى ورقة ضغط تفاوضية أمريكية جديدة.
هل ستبرم الصفقة؟
إمكان ولادة الصفقة قائم، لكن ليس لأنها عادلة، بل لأن الحرب نفسها باتت مكلفة على الجميع، ولأن الإدارة الأمريكية تريد مخرجاً يمنع اتساع النار في أسواق الطاقة والملاحة، فيما تريد طهران ضمانات تمنع تحويل الهدنة إلى كمين استراتيجي.
العقدة الأساسية هنا أن الخطة المتداولة لا تقف عند وقف النار؛ بل ترتبط بملفات أكبر مثل فتح مضيق هرمز، ومستقبل العقوبات، والملف النووي، وحدود الدور الإقليمي الإيراني، وهو ما يجعل الهدنة مجرد بوابة أولى إلى مفاوضات شديدة القسوة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تُوقَّع هدنة؟ بل: هل ستقبل إيران بوقف حرب يُراد له أن يتحول لاحقاً إلى أداة لتفكيك عناصر قوتها واحدةً بعد أخرى؟
لبنان واليمن
لبنان ليس خارج الصفقة، بل داخلها بصورة غير مباشرة؛ فالتقارير المتداولة عن رؤية ترامب تجاه إيران تشير إلى ربط أي تفاهم نهائي بوقف دعم الأذرع في لبنان والعراق واليمن، ما يعني أن حزب الله سيكون عملياً ضمن بنود “ما بعد الهدنة” حتى لو لم يُذكر اسمه في كل تسريب.
ولهذا ظهرت تحليلات تتحدث عن خطر تحويل لبنان إلى “جائزة ترضية” تُقدَّم لإسرائيل في أي تسوية لاحقة، سواء عبر تضييق أكبر على حزب الله أو عبر فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تحت شعار الاستقرار.
أما اليمن، فحضوره أكثر مباشرة، لأن أي صفقة تشمل عملياً أمن الممرات البحرية وملف هرمز، ومعه البحر الأحمر، ولأن الشروط الأمريكية المسرّبة تربط بوضوح بين الاتفاق مع إيران وتقليص أو وقف دعم الحوثيين.
ومن منظور مؤيد للسردية الإيرانية، فإن هذا يعني أن واشنطن لا تريد فقط وقف حرب مع طهران، بل تريد إعادة هندسة الإقليم كله من بوابة الهدنة، بحيث يُعاد ضبط لبنان واليمن كملفين تابعين للاتفاق لا كجبهتين لهما سياقهما الخاص.
خطاب ترامب الليلة
استناداً إلى نمط تصريحاته الأخيرة، فالمرجح أن يستخدم ترامب خطابه مساء اليوم لثلاث رسائل متزامنة: أولاً، إعلان أن المهلة شارفت على نهايتها وأن الخيار العسكري ما زال قائماً؛ ثانياً، القول إن واشنطن منخرطة في مفاوضات “جدية” وأن إيران أمام “فرصتها الأخيرة”؛ وثالثاً، تسويق أي هدنة محتملة بوصفها نتيجة مباشرة للضغط الأمريكي لا للاعتبارات المتبادلة أو لصمود إيران.
ومن المرجح أيضاً أن يعيد التذكير بأنه اقترب من “إكمال الأهداف” وأنه قادر على الانتقال من التهديد بتدمير البنية التحتية إلى “إنجاز صفقة تاريخية” إذا استجابت طهران لشروطه.
لكن القراءة الأعمق تقول إن ترامب قد يلقي خطاباً مزدوج اللغة: يتحدث بلهجة المنتصر، لأن هذا يخدمه داخلياً، ويترك باب التفاوض مفتوحاً، لأن الحرب المفتوحة لم تعد مضمونة النتائج سياسياً واقتصادياً.
أسئلة لا بد منها
- هل الهدنة المقترحة طريق إلى السلام، أم مجرد استراحة لإعادة ترتيب شروط الحرب؟
- هل تريد واشنطن اتفاقاً مع إيران، أم تريد تحويل الاتفاق إلى مسار استنزاف طويل الأمد يحد من سيادة القرار الإيراني؟
- هل سيُطلب من طهران أن تدفع ثمن وقف النار من نفوذها في لبنان واليمن والعراق قبل أن تحصل على أي ضمانات حقيقية؟
- وهل يستطيع ترامب بيع الصفقة داخلياً كرجل “أوقف الحرب”، بعدما أمضى أياماً يهدد بفتح أبواب الجحيم؟
في المحصلة، تبدو الصورة أوضح مما توحي به اللغة الدبلوماسية: ترامب لا يتحرك من الحرب إلى الهدنة لأنه غيّر قناعته، بل لأنه يريد تحويل التهديد بالحرب إلى صفقة تُخضع إيران سياسياً بعد تعذّر كسرها سريعاً عسكرياً.
أما إيران، فالتحدي أمامها ليس فقط كيف توقف النار، بل كيف تمنع أن تتحول الهدنة نفسها إلى منصة لتجريدها من أوراق الردع الإقليمية والنووية بالتقسيط.
وهنا بالضبط يتحدد مصير الصفقة: إذا حصلت طهران على ضمانات حقيقية، فقد تولد؛ وإذا بقي المعروض الأمريكي أقرب إلى استسلام مؤجل، فإن “هدنة اليوم” قد لا تكون سوى فصل آخر من فصول الحرب نفسها.


















