حلم مؤجل يراود أبناء الشمال
لعقود طويلة، ظل أبناء الريف يتجرعون مرارة التهميش الجغرافي والاقتصادي، في انتظار شريان حياة ينهي عزلة مفروضة على المنطقة. اليوم، يعود الحديث عن مشروع قطار الحسيمة والناظور إلى الواجهة، بعد أن كشف وزير النقل عن ملامح خط سككي جديد يمتد على مسافة 333 كيلومتراً، بسرعة تصل إلى 160 كلم في الساعة، ليربط تطوان، شفشاون، الحسيمة، والناظور.
بين لغة الأرقام وأوجاع الطريق.. تفاصيل المشروع
تشير المعطيات التي استعرضها وزير النقل، عبد الصمد قيوح، إلى أن هذا الخط السككي يندرج ضمن مخطط السكك 2040. الرواية الرسمية تضع هذا المشروع في إطار مساعي فك العزلة عن الشمال وتعزيز الدينامية الاقتصادية. لكن، في المقابل، يتساءل المواطن البسيط الذي أنهكته منعرجات طرق الموت: هل نحن أمام إرادة حقيقية لرد الاعتبار للمنطقة، أم مجرد وعود مؤجلة إلى غاية 2040؟ فالأرقام، وإن بدت طموحة ومبشرة، تبقى بالنسبة لساكنة الريف مجرد حبر على ورق ما لم تترجم إلى أوراش حقيقية على أرض الواقع.
التحديات المالية.. مفارقة صارخة في توزيع الثروة
لم تخلُ التصريحات الرسمية من الإشارة إلى التحديات المالية والتأخيرات التي طالت هذا الملف. وهنا تبرز مفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي تُعبأ فيه الميزانيات الضخمة لربط وسط البلاد بخطوط فائقة السرعة، توضع الاعتمادات المالية كعقبة أمام حق ساكنة الشمال في تنقل آمن وكريم. تاريخ المنطقة مع المشاريع المهيكلة يغذي هذا الشك المنهجي، فكم من مشروع تبخر أو تأجل إلى أجل غير مسمى بحجة غياب التمويل، تاركاً وراءه استمراراً لنزيف الهجرة والبطالة وغلاء المعيشة الناجم عن ضعف الربط التجاري.
قطار الشمال.. هل تتحقق العدالة المجالية؟
إن بناء خط سككي يربط أقاليم الشمال ليس منة أو منحة حكومية، بل هو استحقاق تنموي تأخر كثيراً. الرواية الإدارية قد تتغنى بالمخططات الاستراتيجية وتنميق الكلمات، لكن الحقيقة الميدانية تؤكد أن التكلفة البشرية والاقتصادية لعزلة هذه المدن لا تقدر بثمن. ويبقى التساؤل الجوهري مطروحاً أمام محكمة الرأي العام: هل ستنجح الجهات الوصية في تحويل مخطط 2040 إلى واقع ملموس يعيد الكرامة للمسافر الريفي، أم أن قطار التنمية سيواصل تجاوز محطات الشمال بذرائع التمويل؟



















