بين منطوق الدستور وواقع المدارس.. هوة تتسع
في الوقت الذي تتغنى فيه الخطابات الرسمية بتنزيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، يستمر واقع الحال في المدارس العمومية بكشف مفارقة صارخة بين التصريحات والواقع. فبينما كان المواطن البسيط، الذي يرى في لغته الأم جزءا لا يتجزأ من هويته وكرامته، يمني النفس برؤية أبنائه يتلقون تعليما منصفا، يتخبط تدريس اللغة الأمازيغية في وحل التهميش وغياب الإرادة الحقيقية لتفعيل الدستور.
كراسات مفقودة وحروف مقصية.. تهميش ممنهج؟
لم يكن مفاجئا للعديد من الفاعلين التربويين أن تستمر معاناة التلميذ والأستاذ على حد سواء، إذ تشير الوقائع الميدانية إلى غياب تام لكراسات التلميذات والتلاميذ الخاصة بالمادة، وهو غياب يبرز بشكل أكثر قسوة داخل ما تصطلح عليه الوزارة بـ مدارس الريادة. ويتساءل الآباء بحرقة: كيف يمكن الحديث عن ريادة تعليمية في ظل حرمان التلميذ من أبسط حقوقه المتمثلة في كتاب مدرسي يرافقه في مساره التعلمي؟
ولا يتوقف نزيف التهميش عند هذا الحد، بل يمتد إلى الأنظمة الرقمية التي كان من المفترض أن تعكس التطور المؤسساتي. ففي مقابل التصريحات الإدارية حول الرقمنة، نجد محدودية غريبة في إدماج حرف تيفيناغ داخل منظومة مسار، ناهيك عن الإقصاء غير المبرر لأسماء أساتذة المادة من بيانات نتائج التلاميذ، وكأنهم أشباح داخل منظومة يفترض أنها تعتمد على الشفافية وتكافؤ الفرص.
معاناة في صمت.. أساتذة الأمازيغية خارج حسابات التحفيز
بعيدا عن عدسات الكاميرات وبلاغات الإشادة، يكابد أطر تدريس اللغة الأمازيغية ظروفا مهنية مجحفة. ففي غياب فضاءات تربوية ملائمة، يتم الدفع بهؤلاء الأساتذة نحو العزلة المهنية، مصحوبة بغياب شبه تام للحوافز وفرص الحركة الانتقالية على جميع المستويات. والأدهى من ذلك، هي الحالات التي يتم فيها تكليف أطر الأمازيغية بتدريس مواد أخرى، في التفاف صريح على التخصص وتكريس للارتجالية التي تضرب جودة التعليم في مقتل.
البرلمان يدق ناقوس الخطر
أمام هذا الوضع المتأزم، لم تجد فعاليات نيابية بدا من توجيه مساءلة كتابية لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. حيث حمل فريق التقدم والاشتراكية، عبر سؤال للنائبة مريم وحساة، صرخة هؤلاء المستضعفين إلى قبة البرلمان. الوثيقة التي اطلعت عليها الجريدة، تضع القائمين على الشأن التعليمي أمام مسؤولياتهم التاريخية، وتطالب بتدابير استعجالية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بدءا بتوفير وطبع الكراسات المدرسية في أقرب الآجال.
ويبقى التساؤل مطروحا بحرقة في شوارع ومقاهي المدن المهمشة: متى ستنتقل الدولة من لغة النوايا الحسنة إلى التنزيل الفعلي والمنصف الذي يحفظ للمغاربة حقهم الدستوري، أم أن تدريس الأمازيغية سيبقى مجرد رقم يتم استدعاؤه في المحافل الرسمية وتناسيه في الأقسام الدراسية؟



