تحقيق استقصائي: هل أعلنت الدولة إفلاس السياسيين بتسليم قطاع الصحة لـ “الجنرالات”؟
بينما يئن المواطن البسيط في طوابير الانتظار الطويلة أمام أبواب المستشفيات العمومية، بحثاً عن سرير متهالك أو حبة دواء مفقودة، تأتي القرارات الرسمية لتطرح علامات استفهام كبرى حول مصير تدبير الشأن العام في البلاد. في المجلس الوزاري الأخير، خطف قرار واحد الأضواء وأثار زوبعة من التساؤلات في الأوساط السياسية والحقوقية: تعيين الجنرال دوبريگاد طارق الحارثي مديراً عاماً للمجموعة الصحية الترابية بجهة سوس ـ ماسة. قرار يراهن البعض على أنه محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما يراه آخرون إعلاناً صريحاً عن فشل ذريع للتدبير المدني والسياسي لقطاع حيوي يمس حياة المغاربة بشكل مباشر. فهل نحن أمام بداية “عسكرة” مقنعة لقطاع الصحة؟
بداية الخيط.. حينما ترفع السياسة الراية البيضاء
لا يخفى على أحد أن قطاع الصحة في المغرب يعيش حالة من الموت السريري. فمن مستشفيات الريف والحسيمة إلى تخوم سوس ماسة، تتشابه صور المعاناة المستمرة في ظل غياب التجهيزات الأساسية وهجرة الأطباء وتفشي المحسوبية. يتساءل المواطن عن نصيبه من شعارات “الدولة الاجتماعية” عندما يجد نفسه مضطراً لبيع ممتلكاته البسيطة لتسديد فواتير المصحات الخاصة التي تمتص دماء المستضعفين.
تأتي خطوة تعيين الجنرال طارق الحارثي على رأس مؤسسة صحية ترابية مدنية لتؤكد فرضية واحدة: الإدارة المدنية فشلت فشلاً ذريعاً. إن اللجوء إلى مؤسسة الجيش لضبط إيقاع قطاع اجتماعي هو بمثابة سحب الثقة من وزارة الصحة ومنظومتها البيروقراطية التي أثبتت عجزها عن تلبية أبسط حقوق المواطن الدستورية.
سوس ماسة.. مختبر “العسكرة” الأول
اختيار جهة سوس ماسة لتكون الانطلاقة الفعلية للمجموعات الصحية الترابية (GST) تحت قيادة عسكرية ليس عبثياً. هذه المجموعات التي جاءت بها القوانين الجديدة لإصلاح المنظومة الصحية، تمنح صلاحيات واسعة ومالية ضخمة للجهات. وضع جنرال على رأس هذه الميزانيات يعكس رغبة في فرض “الصرامة” و”الانضباط” في قطاع نخرته الاختلالات المالية والصفقات المشبوهة. لكن السؤال المحوري هنا: هل الصرامة وحدها تكفي لخلق مستوصفات قريبة من معاناة الأمهات في القرى النائية؟
من الثكنة إلى المستشفى.. هل الانضباط يعالج المرضى؟
هناك مفارقة صارخة بين التصريحات الرسمية والواقع المعاش. المقاربة العسكرية تعتمد على الأوامر العمودية والطاعة العمياء، بينما الإدارة الصحية تحتاج إلى مرونة، وابتكار، وتواصل إنساني مع كوادر طبية منهكة ومواطنين مقهورين يطالبون بالحق في الحياة. استبدال البذلة البيضاء بالبذلة العسكرية في مناصب القيادة قد يحد من التسيب الإداري، لكنه لن يولد أطباء من العدم، ولن يوفر أجهزة سكانير في مستشفيات المناطق المهمشة.
- أزمة الموارد البشرية: هل سيستطيع الانضباط العسكري إقناع الأطباء بالبقاء في المستشفيات العمومية بدلاً من الهجرة لأوروبا؟
- غياب الشفافية: يتخوف الفاعلون المدنيون من أن تدبير القطاع بعقلية عسكرية قد يغلق أبواب المساءلة والحق في الوصول إلى المعلومة أمام الصحافة الاستقصائية وهيئات المجتمع المدني.
- التنصل الحكومي: هذا التعيين يعفي السياسيين من المساءلة المباشرة، ويجعلهم يختبئون وراء هيبة المؤسسة العسكرية لتبرير أي إخفاقات مستقبلية.
نبض الشارع: المواطن لا يأكل الانضباط
في استطلاع أولي لآراء الشارع، يتضح أن هموم الفئات الأقل حظاً تتجاوز الأسماء والرتب. المواطن المقهور الذي يقطع الكيلومترات للوصول إلى مركز صحي مغلق، لا يهمه إن كان المدير العام وزيراً مدنياً أو جنرالاً عسكرياً؛ ما يهمه هو أن يجد طبيباً يفحصه ودواءً يشفيه. غير أن هذا لا يمنع النخب المثقفة من دق ناقوس الخطر إزاء تراجع أدوار المؤسسات المدنية لصالح مقاربات أمنية أو عسكرية في تدبير أزمات اجتماعية خالصة.
خاتمة وتوصيات.. دعوة لإنقاذ ما تبقى
إن تعيين الجنرال طارق الحارثي ليس مجرد خبر عابر في نشرة الأخبار، بل هو منعطف مفصلي يكشف عمق الأزمة الهيكلية في تدبير الدولة لقطاعاتها الحيوية. نحن في “حسيمة سيتي” نرى أن عسكرة قطاع الصحة قد تكون مسكناً مؤقتاً لألم مزمن، لكنها ليست العلاج الجذري. العلاج يبدأ بمحاسبة الفاسدين الذين أوصلوا المستشفيات إلى هذه الحالة المزرية، وزيادة الميزانية المخصصة للصحة بشكل ينعكس على المواطن، وتوفير بيئة عمل تليق بالأطباء والممرضين.
إننا ندعو الفاعلين الحقوقيين والمجتمع المدني إلى اليقظة ومراقبة هذا التحول الجذري في الإدارة الصحية، والتأكيد على أن الصحة حق مدني يجب أن يخضع للشفافية والمساءلة الشعبية المطلقة، بعيداً عن لغة الأوامر العسكرية. شاركونا آراءكم عبر منصاتنا: هل تعتقدون أن هذا القرار هو اعتراف صريح بفشل الحكومة؟ أم أنه بداية لإصلاح حقيقي؟



















