
ملخّص
يتناول هذا المقال مقترح رشيد راخا، رئيس التجمع العالمي الأمازيغي، القاضي بحلّ» اتحاد المغرب العربي « وتعويضه بـ«اتحاد تامازغا»، وهو كيان سياسي يقوم على الهوية الحضارية الأمازيغية المشتركة لشعوب شمال إفريقيا. ومن خلال تحليل إخفاقات اتحاد المغرب العربي منذ تأسيسه سنة 1989، وتتبع تشكّل القومية العروبية في المنطقة، واستحضار ديناميات الحركة الأمازيغية المعاصرة، إضافة إلى توظيف أطر نظرية مرتبطة بالإثنية والإقليمية، يخلص المقال إلى أن مقترح راخا يشكّل في الآن نفسه تشخيصًا دقيقًا لأزمة الاندماج المغاربي، ومشروعًا معياريًا تصطدم قابليته للتنفيذ بعوائق سياسية وديموغرافية وجيوستراتيجية كبيرة. ويؤكد في الختام أن القيمة الأساسية لفكرة «اتحاد تامازغا» لا تكمن في قابليتها للتطبيق الفوري، بقدر ما تكمن في قدرتها على زعزعة السرديات الرسمية وفتح نقاش حول شروط اندماج إقليمي تعددي حقيقي.
يتناول هذا المقال مقترح رشيد راخا، رئيس التجمع العالمي الأمازيغي، القاضي بحلّ» اتحاد المغرب العربي « وتعويضه بـ«اتحاد تامازغا»، وهو كيان سياسي يقوم على الهوية الحضارية الأمازيغية المشتركة لشعوب شمال إفريقيا. ومن خلال تحليل إخفاقات اتحاد المغرب العربي منذ تأسيسه سنة 1989، وتتبع تشكّل القومية العروبية في المنطقة، واستحضار ديناميات الحركة الأمازيغية المعاصرة، إضافة إلى توظيف أطر نظرية مرتبطة بالإثنية والإقليمية، يخلص المقال إلى أن مقترح راخا يشكّل في الآن نفسه تشخيصًا دقيقًا لأزمة الاندماج المغاربي، ومشروعًا معياريًا تصطدم قابليته للتنفيذ بعوائق سياسية وديموغرافية وجيوستراتيجية كبيرة. ويؤكد في الختام أن القيمة الأساسية لفكرة «اتحاد تامازغا» لا تكمن في قابليتها للتطبيق الفوري، بقدر ما تكمن في قدرتها على زعزعة السرديات الرسمية وفتح نقاش حول شروط اندماج إقليمي تعددي حقيقي.

1. المقدمة: مقترح صادم في فضاء مأزوم
في دجنبر 2011، وخلال أشغال الدورة السادسة للجمعية العامة للمؤتمر العالمي الأمازيغي المنعقدة ببروكسيل، طرح النشطاء الأمازيغ مشروعًا سياسيًا طموحًا تحت اسم «بيان تامازغا»، تمت المصادقة عليه لاحقًا في الدورة السابعة المنعقدة في دجنبر 2013 بمدينة تيزنيت المغربية. وقد أعلن المؤتمر العالمي الأمازيغي، الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم التجمع العالمي الأمازيغي، دعوة قوية إلى استبدال «اتحاد المغرب العربي» بـ«اتحاد تامازغا»، وهو فضاء سياسي لا يقوم على وحدة اللغة العربية أو الدين الإسلامي، بل على الانتماء المشترك لشعوب شمال إفريقيا إلى نفس الحاضنة الحضارية الأمازيغية.
ورغم أن هذه الفكرة ليست جديدة بالكامل داخل الأوساط الأمازيغية، فإن صياغتها في شكل مشروع مؤسساتي واضح — يدعو إلى حل منظمة إقليمية قائمة وتعويضها ببنية بديلة قائمة على أساس هوياتي مختلف — يمنحها بعدًا سياسيًا غير مسبوق في تاريخ الحركة الأمازيغية.
لقد تأسس “اتحاد المغرب العربي” في 17 فبراير 1989 بمدينة مراكش، بمشاركة المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، وظلّ منذ ذلك الحين يجسّد مشروع اندماج إقليمي لم يتحقق. فلم يُعقد أي اجتماع لقادة الدول منذ سنة 1994، كما أن المبادلات التجارية بين دوله لا تتجاوز 3% من إجمالي تجارتها الخارجية، وفق بيانات البنك الدولي لسنة 2020. إضافة إلى ذلك، أدّى إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر منذ سنة 1994 إلى جعل المنطقة واحدة من أقل المناطق ترابطًا في العالم.
في هذا السياق من الجمود المزمن، يبرز مقترح راخا كتحدٍّ ليس فقط للحكومات، بل أيضًا للنموذج الفكري الذي حكم بناء الهوية المغاربية منذ الاستقلال.
وتكمن الإشكالية التحليلية هنا في مستويين:
أولًا، فهم أسباب فشل اتحاد المغرب العربي، وهل هو فشل ظرفي مرتبط بصراعات سياسية وقضايا مثل نزاع الصحراء، أم أنه فشل بنيوي نابع من تصور إشكالي لهوية المنطقة.
ثانيًا، تقييم المقترح الأمازيغي ذاته من حيث تماسكه الداخلي، ومرجعيته التاريخية، وطموحاته المعيارية، وحدوده الواقعية.
وينقسم هذا المقال إلى ستة محاور: بعد هذه المقدمة، يتم تحليل أسباب فشل اتحاد المغرب العربي، ثم استعراض تطور الحركة الأمازيغية كقوة سياسية، يلي ذلك تحليل مقترح راخا من حيث أبعاده النظرية والعملية، ثم مناقشة هذا المشروع على ضوء الواقع الجيوسياسي والاجتماعي الراهن في المنطقة، قبل الوصول إلى خاتمة تستشرف دلالات هذا النقاش على مستوى الفكر السياسي والدراسات الإقليمية.
2. اتحاد المغرب العربي: تشريح فشل بنيوي
2.1 وعود سنة 1989 وسياقها
تأسس اتحاد المغرب العربي في سياق مزدوج اتسم بانفراج إقليمي وحيوية تيارات العالم الثالث. ففي سنة 1988، أعاد المغرب والجزائر علاقاتهما الدبلوماسية بعد قطيعة دامت منذ 1976؛ وكانت الحرب الإيرانية-العراقية في نهايتها؛ كما أن سقوط جدار برلين لم يكن قد أنهى بعد مشاريع التعاون الجماعي في الجنوب. وقد جاء توقيع معاهدة مراكش في 17 فبراير 1989 بطموح أن تكون نظيرًا مغاربيًا لمعاهدة روما، أي إقامة جماعة اقتصادية تتجه تدريجيًا نحو توحيد الأسواق، وتنسيق السياسات، ومنح المنطقة صوتًا موحدًا على الساحة الدولية.
كانت الأهداف المعلنة طموحة: حرية تنقل الأشخاص والبضائع، تنسيق السياسات الاقتصادية والمالية، إرساء تعريفة جمركية موحدة، ثم الانتقال نحو اتحاد جمركي فـسوق مشتركة. كما نصّ البناء المؤسساتي على مجلس للرئاسة (رؤساء الدول)، ومجلس لوزراء الخارجية، ومجلس استشاري، ولجنة للمتابعة، ومحكمة عدل. على الورق، بدا المشروع متماسكًا؛ أما في الواقع، فقد ظلّ إطارًا فارغًا.
2.2 عوامل الشلل
تشير الأدبيات الأكاديمية إلى عدة عوامل تفسر شلل اتحاد المغرب العربي.
أول هذه العوامل، وأكثرها تأثيرًا، هو نزاع الصحراء الغربية. فقد أدّى الخلاف حول وضع الصحراء — التي يعتبرها المغرب جزءًا من ترابه الوطني منذ «المسيرة الخضراء» سنة 1975، بينما تدافع جبهة البوليساريو عن قيام دولة مستقلة بدعم من الجزائر — إلى توتير العلاقات بين المغرب والجزائر، وجعل أي توافق داخل الاتحاد أمرًا شبه مستحيل. وقد تجسّد هذا الانقسام في إغلاق الحدود بين البلدين سنة 1994، عقب هجوم إرهابي في مراكش اتهم فيه المغرب مواطنين جزائريين. ورغم بعض المبادرات الدبلوماسية الحديثة، لا يزال النزاع دون حل جذري.
العامل الثاني يتمثل في تباين نماذج التنمية والأنظمة السياسية. فالمغرب ملكية، والجزائر نظام رئاسي ذو خلفية عسكرية، وتونس عرفت انتقالًا ديمقراطيًا متعثرًا، وليبيا تعيش حالة حرب منذ 2011، وموريتانيا نظام شبه ديمقراطي. هذا التباين يجعل من الصعب وجود مصالح مشتركة واضحة بين هذه الدول. وعلى خلاف الاتحاد الأوروبي، لم يتوفر اتحاد المغرب العربي على مؤسسات فوق وطنية قوية قادرة على تجاوز الخلافات.
العامل الثالث، وهو أقل تناولًا في الأدبيات السائدة لكنه أساسي في المنظور الأمازيغي، يتمثل في هشاشة الأساس الهوياتي العروبي الذي قام عليه الاتحاد. فاعتماد اللغة العربية والانتماء إلى العالم العربي الإسلامي كأساس للهوية المغاربية أدى إلى تهميش مكونات أخرى، وعلى رأسها الهوية الأمازيغية، إضافة إلى الروافد الإفريقية جنوب الصحراء والمتوسطية واليهودية. ويرى الباحث بروس مادي-فايتسمان أن هذا الاختيار لم يكن محايدًا، بل يعكس هيمنة القومية العروبية داخل النخب بعد الاستقلال، واستعمالها كأداة لبناء الدولة وتبرير السلطة.
العامل الرابع ذو طابع اقتصادي. فاقتصادات دول المغرب الكبير تتسم بالتنافس أكثر من التكامل: تعتمد الجزائر وليبيا على المحروقات، بينما يرتكز اقتصاد المغرب على الفلاحة والخدمات، وتونس على الصناعة الخفيفة. كما أن المبادلات التجارية بين هذه الدول بقيت ضعيفة بسبب الرسوم الجمركية، والحواجز غير الجمركية، وغياب التنسيق، وإغلاق الحدود. وقد قدّر البنك الدولي سنة 2020 أن كلفة غياب الاندماج المغاربي تصل إلى عدة نقاط من الناتج الداخلي الخام سنويًا لكل دولة.
أما العامل الخامس فيتعلق بصراع الزعامة الإقليمية. فلم يكن المغرب ولا الجزائر مستعدين للقبول بقيادة الآخر، كما أن أيًا منهما لا يمتلك القوة الاقتصادية أو الديموغرافية الكافية لفرض رؤيته على باقي الدول، كما هو الحال في تجارب أخرى. وقد أدى هذا الفراغ في القيادة إلى جمود دائم داخل الاتحاد.

3. الحركة الأمازيغية المعاصرة: من المقاومة الثقافية إلى المطالبة السياسية
3.1 النشأة وأسس المطلب الأمازيغي
ترجع جذور الحركة الأمازيغية المعاصرة إلى التناقضات العميقة التي طبعت القومية العربية في بلدان المغرب الكبير خلال القرن العشرين. فقد تبنّت حركات الاستقلال — مثل جبهة التحرير الوطني في الجزائر، وحزب الاستقلال في المغرب، والحزب الدستوري في تونس — مشروع التعريب كخيار سياسي مركزي، بدرجات متفاوتة، حيث تم التعامل مع الأمازيغية إما باعتبارها بقايا ما قبل الحداثة يُفترض أن تذوب في الحداثة العربية، أو كعائق أمام الوحدة الوطنية ينبغي تحييده.
وقد فُرضت اللغة العربية كلغة للإدارة والتعليم والوجاهة الاجتماعية، بينما أُقصيت اللغات الأمازيغية إلى المجال الأسري، ووُصفت بكونها مجرد لهجات تفتقر إلى الكتابة والأدب — وهو توصيف عمل النشطاء الأمازيغ لعقود على تفنيده.
وتُعد أولى المحطات الكبرى للمقاومة الأمازيغية «الربيع الأمازيغي» في الجزائر في أبريل 1980، حين أدى منع السلطات لمحاضرة كان سيقدمها اللساني مولود معمري بجامعة تيزي وزو إلى اندلاع مظاهرات واسعة في منطقة القبائل، تم قمعها بشدة. وقد كشف هذا الحدث التأسيسي عن أمرين أساسيين: عمق الشعور بالغبن لدى الأمازيغ نتيجة سياسات التعريب القسري، وإصرار الدول المغاربية على قمع أي تعبير هوياتي تعتبره مهددًا للوحدة الوطنية.
وقد دشّن «الربيع الأمازيغي» (تفسوت إيمازيغن) مسارًا طويلًا من النضالات، تخللته محطات بارزة مثل «الربيع الأسود» سنة 2001 في منطقة القبائل (الذي أعقب مقتل تلميذ على يد الدرك)، إضافة إلى الإضرابات المدرسية، والمقاطعات الانتخابية، وبروز تنظيمات أمازيغية عابرة للحدود.
في المغرب، سلكت الحركة الأمازيغية مسارًا مختلفًا لكنه متقاطع في الأهداف. فقد شكّل نشر «البيان الأمازيغي» سنة 2000 من طرف مجموعة من المثقفين، ثم إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001، خطوة نحو الاعتراف الرسمي الجزئي بالهوية الأمازيغية. وتوّج هذا المسار بدستور 2011 الذي أقرّ لأول مرة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية. وقد مثّل هذا التحول لحظة رمزية مهمة، رغم أن تنزيله العملي لا يزال محدودًا، خاصة في مجالي التعليم والإدارة.
3.2 التجمع العالمي الأمازيغي ورشيد راخا،
يعد التجمع العالمي الأمازيغي ، الذي كان يعرف سابقًا بالمؤتمر العالمي الأمازيغي، من أبرز التنظيمات الأمازيغية العابرة للحدود. وقد تأسست سنة 1995 خلال مؤتمر بسان روم دو دولان بفرنسا، وتضم جمعيات ونشطاء من المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومالي والنيجر وجزر الكناري، إضافة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يمنحها بعدًا تمثيليًا واسعًا للشعب الأمازيغي في امتداده الجغرافي. كما أن حضورها داخل مؤسسات الأمم المتحدة يمنحها شرعية دولية، رغم اعتراض بعض حكومات المنطقة.
ويُعد رشيد راخا، المزداد سنة 1964 بمدينة الناظور، والمقيم بإسبانيا منذ عقود، من أبرز وجوه هذه الحركة. وقد تولّى رئاسة الجمعية العالمية الأمازيغية في فترات مختلفة، وهو أنثروبولوجي وصحفي يجسّد جيلًا من نشطاء المهجر الذين يجمعون بين الخبرة الأكاديمية والانخراط في شبكات المجتمع المدني الدولي، مع خطاب هوياتي واضح.
وبخلاف بعض الفاعلين الأمازيغ الذين يتبنون مقاربة إصلاحية داخل الدول القائمة، يدافع راخا عن رؤية أكثر جذرية، تقوم على مساءلة الأسس الهوياتية للدول المغاربية نفسها، واعتبار العروبة بناءً سياسيًا حديثًا تم فرضه بعد الاستعمار، ولا يعكس بالضرورة حقيقة شعوب المنطقة.
وفي هذا الإطار، يندرج مقترح «اتحاد تامازغا». إذ يبني راخا أطروحته على عدة مستويات:
• مستوى تاريخي: يعتبر الأمازيغ السكان الأصليين لشمال إفريقيا منذ آلاف السنين، قبل أي عملية تعريب.
• مستوى ثقافي: يرى أن اللغة والفنون والعادات والقيم الأمازيغية تشكّل قاسمًا مشتركًا بين شعوب المنطقة، بغض النظر عن ممارساتهم اللغوية أو الدينية الحالية.
• مستوى سياسي: يفسر فشل اتحاد المغرب العربي بكونه قائمًا على هوية عربية لا تعكس العمق الحقيقي للمنطقة.
• مستوى مؤسساتي: يقترح أن اتحادًا قائمًا على الأمازيغية يمكنه تجاوز الانقسامات المصطنعة التي خلّفها الاستعمار والقومية العروبية بعده.
4. اتحاد تامازغا: تحليل مشروع سياسي
4.1 مفهوم تامازغا: المضمون والتاريخ
يشير مصطلح) تامازغا» (المكوَّن من السابقة الأمازيغية t- الدالة على المؤنث والجمع، والجذر مازيغ/أمازيغ الذي يحيل إلى معنى «الإنسان الحر» أو «النبيل» في الخطاب الأمازيغي المعاصر إلى مجموع الأراضي التي سكنها الأمازيغ تاريخيًا: من جزر الكناري والمغرب الأقصى إلى واحات سيوة في مصر، ومن السواحل المتوسطية إلى تخوم الصحراء في النيجر ومالي. وبهذا المعنى الجغرافي والحضاري، يتجاوز مفهوم تامازغا المجال الترابي لاتحاد المغرب العربي، ليشمل أجزاء من موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو ومصر.
غير أن بناء تامازغا كمرجعية سياسية يُعد حديثًا نسبيًا في الفكر الأمازيغي النضالي. فبالرغم من وجود وعي قديم بوحدة ثقافية بين الناطقين بالأمازيغية في شمال إفريقيا، فإن فكرة «الأمة الأمازيغية» المرتبطة بمجال ترابي محدد بدأت تتبلور بشكل منسجم خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وقد ساهم اعتماد أبجدية تيفيناغ — التي تم إقرارها رسميًا لكتابة الأمازيغية في المغرب — كرمز موحِّد، إلى جانب استحضار شخصيات تاريخية جامعة مثل يوغرطة، وتاكفاريناس، والكاهنة، وماسينيسا، في تعزيز هذا البناء الرمزي لهوية جماعية.
مع ذلك، يظل هذا التصور محفوفًا بتوترات داخلية. فـ«الهوية الأمازيغية» نفسها تُعد بناءً اجتماعيًا، بالنظر إلى أن جزءًا كبيرًا من سكان شمال إفريقيا لا يعرّفون أنفسهم اليوم بهذه الهوية، كما أن الحدود بين «الأمازيغي» و«المُعَرَّب» ليست حادة، بل تمتد ضمن متصل لغوي وثقافي. فملايين المغاربة والجزائريين والتونسيين الذين لا يتحدثون الأمازيغية يوميًا ينحدرون على الأرجح من أصول أمازيغية؛ غير أن انتماءهم إلى تامازغا يبقى رهينًا بالتعريف المعتمد: هل هو نسَبي، أم لغوي، أم ثقافي، أم ذاتي؟ وهي مسألة لا تزال محل نقاش في الدراسات الأكاديمية.
4.2 المشروع المؤسساتي: الطموحات والمضمون
في مداخلاته وكتاباته، يرسم رشيد راخا معالم «اتحاد تامازغا» انطلاقًا من عدة مبادئ أساسية. أولها التعدد اللغوي: فعلى خلاف اتحاد المغرب العربي الذي يجعل العربية محور الهوية الإقليمية، يقوم اتحاد تامازغا على الاعتراف بتنوع اللغات الأمازيغية (تمازيغت، القبائلية، الشاوية، الطوارقية…) كأساس مشترك، دون إقصاء العربية أو الفرنسية أو غيرهما.
ثانيًا، مبدأ «تفكيك الإرث الاستعماري»: إذ يدعو المشروع إلى تجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي والإسباني والإيطالي، والتي قسمت فضاءات أمازيغية متجانسة، بهدف إعادة بناء مجال ترابي أكثر انسجامًا مع الحقائق البشرية والثقافية السابقة للاستعمار.
ثالثًا، الحكامة اللامركزية: يستلهم راخا بعض نماذج التنظيم التقليدي الأمازيغي، مثل مجلس الحكماء (الجماعة أو أيت أربعين أو أغراو)، للدعوة إلى نظام يقوم على تمكين الجهات والمجتمعات المحلية من صلاحيات حقيقية، بدل الدولة المركزية المهيمنة.
كما يحتل بُعد العدالة السياسية مكانة محورية في هذا المشروع، إذ يُقدَّم اتحاد تامازغا كاستجابة لعقود من تهميش الأمازيغ داخل دولهم: من إقصاء لغاتهم من التعليم والإدارة، إلى التضييق على النشطاء، وصولًا إلى استغلال الموارد الطبيعية في مناطقهم دون توزيع عادل للثروات (كما في القبائل بالجزائر، والريف بالمغرب، ومناطق الطوارق في مالي والنيجر). وبهذا المعنى، لا يُعد المشروع مجرد تصور للتكامل الإقليمي، بل أيضًا محاولة لـ«إنصاف تاريخي» يمكن توصيفها، في إطار نظريات ما بعد الاستعمار، كعملية «تحرر هوياتي».
4.3 الأطر النظرية: الإثنية، القومية، والإقليمية
من زاوية النظرية السياسية والدراسات الإقليمية، يندرج مقترح راخا ضمن عدة مقاربات تحليلية. أولها النقاش الكلاسيكي بين «البداهة» (البرَيموردِيالية) و«البنائية» في فهم الهويات الإثنية. فالمقاربات البداهية، المرتبطة بأعمال كليفورد غيرتز، ترى في الانتماءات الإثنية معطيات طبيعية سابقة على الدولة. أما المقاربات البنائية، كما عند بنديكت أندرسون وإرنست غيلنر، فتؤكد أن الهوية القومية تُبنى تاريخيًا وسياسيًا. ويجمع خطاب راخا بين الاتجاهين: فهو يؤكد عمق الهوية الأمازيغية تاريخيًا، لكنه يعترف ضمنيًا بضرورة بنائها وتفعيلها مؤسساتيًا.
الإطار الثاني هو «الإقليمية الجديدة» كما طوّرها باحثون مثل بيورن هيتنه وفريدريك سودرباوم. فخلافًا للمقاربات الواقعية التي تختزل الاندماج في التعاون بين الدول، تبرز الإقليمية الجديدة أهمية البعد الهوياتي والثقافي في بناء الأقاليم. ومن هذا المنظور، لا تُفهم المنطقة فقط كحيز جغرافي، بل كفضاء مشترك للمعنى والمصير. وينسجم مشروع تامازغا مع هذا التصور، إذ يسعى إلى تأسيس الاندماج على هوية مشتركة بدل الاكتفاء بالاتفاقات بين الحكومات.
أما الإطار الثالث، فيتعلق بحركات الشعوب الأصلية في القانون الدولي. فقد أقرت الأمم المتحدة سنة 2007 إعلان حقوق الشعوب الأصلية، الذي ينص على حق هذه الشعوب في تقرير مصيرها، والحفاظ على هويتها، والتحكم في أراضيها ومواردها. ويستند جزء من الخطاب الأمازيغي إلى هذا الإطار، من خلال المطالبة بالاعتراف بالأمازيغ كشعب أصلي في شمال إفريقيا، وهو توصيف تعترض عليه بعض الدول، التي ترفض تطبيق هذا المفهوم على مجتمعاتها.
5. التحديات الجيوسياسية والاجتماعية والمؤسساتية لاتحاد تامازغا
5.1 مقاومة الدول وإشكالية السيادة
تتمثل أولى وأبرز حدود مشروع راخا في الرفض المتوقع من طرف الدول المغاربية. فلا المغرب ولا الجزائر ولا تونس ولا ليبيا ولا موريتانيا أبدت أي استعداد لتبني مشروع يُقوّض في آن واحد شرعيتها الهوياتية (المبنية على العروبة)، وسلامتها الترابية (باعتبار أن تامازغا تتجاوز الحدود الحالية)، وسيادتها (إذ يفترض المشروع أشكال حكم تتجاوز الدولة الوطنية).
في الجزائر، ورغم دسترة الأمازيغية سنة 2016 كلغة رسمية، مع استمرار هيمنة العربية، فإن قمع بعض الحركات ذات الطابع الهوياتي، مثل حركات الحكم الذاتي في منطقة القبائل، يجعل من فكرة «اتحاد تامازغا» مشروعًا يُنظر إليه كتهديد انفصالي مباشر.
أما في المغرب، فالوضع أكثر تعقيدًا. فقد تبنّت الدولة، خاصة منذ بداية الألفية الثالثة، خطابًا يعترف بالأمازيغية كأحد مكونات الهوية الوطنية، من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودسترة الأمازيغية سنة 2011، واعتماد تصور هوياتي ثلاثي (أمازيغي، عربي، إفريقي). غير أن هذا الاعتراف يظل مؤطرًا داخل الدولة الوطنية، ولا يعني القبول بمشروع سياسي عابر للحدود قد ينافس أو يُضعف الدولة. فالأمازيغية مقبولة كمكوّن وطني، لا كأساس لكيان فوق وطني.
كما تزيد حالة ليبيا وموريتانيا من تعقيد المشهد. فليبيا تعيش منذ 2011 حالة انقسام سياسي وأمني، ما يجعلها غير قادرة على الانخراط في أي مشروع اندماجي. أما موريتانيا، فهي بلد متعدد الانتماءات بين العربي والأمازيغي والإفريقي، وتبقى فيه المكونات الأمازيغية أقلية داخل تركيبة سكانية متنوعة.
5.2 التنوع الداخلي في العالم الأمازيغي
يتمثل التحدي الثاني في التنوع الكبير داخل العالم الأمازيغي نفسه. ففكرة «الشعب الأمازيغي» ككيان موحد تخفي واقعًا لغويًا وثقافيًا وجغرافيًا شديد التعدد. إذ توجد عدة لهجات أمازيغية مختلفة، مثل تاشلحيت، والقبائلية، والشاوية، والريفية، والطوارقية، وغيرها، وهي ليست مفهومة بشكل متبادل دائمًا. وبالتالي، فإن فكرة لغة أمازيغية موحدة تظل مشروعًا سياسيًا أكثر منها واقعًا قائمًا.
كما أن الاختلافات لا تقتصر على اللغة، بل تشمل الأوضاع الاجتماعية والسياسية. فالأمازيغ في المغرب يختلفون في ظروفهم عن القبائل في الجزائر أو الطوارق في مالي والنيجر. كما أن المطالب السياسية نفسها تختلف: ففي حين تركز بعض الحركات على الحقوق الثقافية، تتجه أخرى نحو مطالب الحكم الذاتي أو حتى الاستقلال.
وقد بيّن بعض الباحثين أن الهوية الأمازيغية المعاصرة تتشكل جزئيًا في سياق الهجرة، خاصة في أوروبا، حيث تميل إلى أن تكون أكثر تجانسًا وراديكالية مقارنة بالواقع داخل بلدان المغرب الكبير، حيث تتداخل عوامل متعددة (قبلية، جهوية، دينية، اجتماعية). وهذا لا ينفي وجود القضية الأمازيغية، لكنه يبرز أن بناء وحدة سياسية أمازيغية ليس أمرًا بديهيًا.
5.3 التحدي الديمغرافي وواقع التعريب
يطرح العامل الديمغرافي تحديًا أساسيًا آخر. فالتقديرات تشير إلى أن الناطقين بالأمازيغية يشكلون حوالي 40 إلى 45% من سكان المغرب، و30 إلى 35% من سكان الجزائر، ونسبًا ضعيفة في تونس، مع تفاوت في باقي الدول. وهذا يعني أن الأغلبية في شمال إفريقيا لا تستعمل الأمازيغية كلغة رئيسية، رغم أن أصولها قد تكون أمازيغية.
وهذا يطرح إشكالًا جوهريًا:
• إذا تم تعريف اتحاد تامازغا على أساس اللغة، فإنه سيقصي جزءًا كبيرًا من السكان.
• وإذا تم تعريفه على أساس الأصل، فإنه يقع في نوع من النزعة الجوهرانية التي تثير إشكالات سياسية.
• وإذا تم تعريفه على أساس الانتماء الاختياري، فإن قاعدته الاجتماعية قد تبقى محدودة.
كما أن التعريب في المنطقة ليس فقط نتيجة سياسات حديثة، بل هو مسار تاريخي طويل بدأ منذ قرون، وأفرز هويات ثقافية راسخة. فالكثير من المغاربيين الناطقين بالعربية لا يعتبرون أنفسهم أمازيغًا مُعَرَّبين، بل يرون هويتهم العربية الإسلامية جزءًا أصيلًا من ذاتهم.
5.4 التناقضات الداخلية ومسألة الطوارق
يبرز تحدٍ آخر مرتبط بإدماج الطوارق ضمن مشروع تامازغا. فالطوارق، وهم أمازيغ الصحراء، يعيشون في سياقات نزاع مسلح في مالي والنيجر منذ عقود، حيث تتداخل المطالب الهوياتية مع رهانات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية معقدة.
إن إدماج هذه المناطق في مشروع تامازغا يطرح إشكالات متعددة: نزاعات قائمة، مطالب ترابية داخل دول ذات سيادة، وتدخلات دولية مختلفة (فرنسا، الولايات المتحدة، روسيا، وغيرها)، إضافة إلى وجود جماعات مسلحة.
كما أن الطوارق أنفسهم ليسوا كتلة واحدة، بل منقسمون بين من يدعو إلى الاندماج في الدول القائمة، ومن يطالب بالحكم الذاتي، ومن يدعم مشاريع انفصالية مثل «أزواد». وبالتالي، فإن فكرة التضامن الأمازيغي لا تلغي هذه الانقسامات، بل قد تغطيها بخطاب نظري لم تتأكد بعد قدرته على التحول إلى مشروع سياسي متماسك.
6. الخاتمة: القيمة الاستكشافية ليوتوبيا سياسية
في ختام هذا التحليل، ينبغي التمييز بين عدة مستويات في تقييم مقترح رشيد راخا. فعلى مستوى التشخيص، تبدو قراءته لأسباب فشل اتحاد المغرب العربي دقيقة إلى حد كبير؛ إذ لم يكن هذا الفشل نتيجة الصراعات بين الدول أو نزاع الصحراء فقط، بل يرتبط أيضًا بأساس هوياتي عروبي لم يتمكن من تعبئة شعوب المنطقة في تنوعها، وظل محل جدل واعتراض. ومن هذا المنطلق، تساهم المقاربة الأمازيغية في إثراء التفكير حول شروط بناء اندماج إقليمي مستدام.
أما على مستوى المشروع البديل، فالصورة أكثر تعقيدًا. ففكرة «اتحاد تامازغا»، كما تطرحها الجمعية العالمية الأمازيغية ورئيسها رشيد راخا، تصطدم بجملة من العوائق البنيوية: التنوع اللغوي والثقافي داخل العالم الأمازيغي، واقع التعريب التاريخي، مقاومة الدول القائمة، إضافة إلى التناقضات الداخلية للمشروع ذاته. وهذه العوائق لا تعني أن المطلب الأمازيغي غير مشروع — بل هو مشروع من حيث أبعاده التاريخية والأخلاقية والقانونية — لكنها تشير إلى أن تحويله إلى كيان سياسي بديل لاتحاد المغرب العربي يظل، على المدى القريب والمتوسط، أمرًا صعب التحقيق.
مع ذلك، لا ينبغي تقييم مقترح راخا فقط من زاوية قابليته للتطبيق المباشر. فالأفكار الطوباوية في السياسة تحمل قيمة معرفية خاصة: فهي تزعزع المسلّمات، وتعيد طرح الأسئلة التي يتم تجاهلها، وتفتح آفاقًا جديدة للتفكير خارج قيود الواقعية السياسية. ومن خلال طرح فكرة «اتحاد تامازغا»، يثير راخا أسئلة جوهرية طالما تم تفاديها: على أي أساس هوياتي يجب أن يُبنى الاندماج في شمال إفريقيا؟ من هم شعوب المغرب الكبير في واقعهم المتعدد؟ وهل تكفي العروبة، بصيغتها ما بعد الاستعمارية، كأساس لاندماج دائم؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية متزايدة، خاصة منذ التحولات التي عرفتها المنطقة مع ما سُمّي بـ«الربيع العربي» سنة 2011، والتي كشفت هشاشة العديد من التصورات الهوياتية التي بنتها الدول بعد الاستقلال.
كما يندرج النقاش حول «اتحاد تامازغا» ضمن سياق عالمي أوسع، يتمثل في عودة الهويات دون الوطنية وعبر الوطنية إلى الواجهة، في عالم يتعرض فيه نموذج الدولة-الأمة لضغوط متعددة: العولمة، الهجرة، مطالب الشعوب الأصلية، وأزمة السرديات الوطنية الكبرى. ومن هذا المنظور، لا يبدو مقترح راخا استثناءً، بل تعبيرًا عن تحولات عميقة في بنية الهويات السياسية عالميًا.
وقد تكون إحدى المقاربات الممكنة، التي تستحق مزيدًا من البحث، هي التفكير في إعادة بناء اتحاد المغرب العربي على أسس تعددية تعترف صراحة بالمكون الأمازيغي، دون أن تجعله الأساس الوحيد للهوية المشتركة. فمثل هذا التوجه، الذي ينسجم مع أفكار تعددية الهوية، يمكن أن يساهم في تجاوز الإخفاقات السابقة دون الحاجة إلى إلغاء المشروع برمته.
إن تحقيق الاندماج والسلام في المغرب الكبير لن يتم على الأرجح عبر فرض هوية واحدة — سواء كانت عروبية أو أمازيغية — بل من خلال الاعتراف بالتعدد واعتباره أساسًا للمشروع المشترك. وفي هذا السياق، يظل فضل رشيد راخا قائمًا في طرح السؤال الهوياتي بجرأة ووضوح، حتى وإن ظل مشروعه محل نقاش. وهذا في حد ذاته إسهام مهم في تطوير النقاش حول مستقبل الاندماج الإقليمي.
















