نحن الآن في أواخر فبراير 2026. إذا وقفتَ على الحدود الشرقية للمملكة، أو الغربية للجمهورية، لن تسمع فقط صرير الرياح؛ ستسمع صوت المليارات وهي تتبخر في الهواء. لم يعد الصراع مجرد قطيعة دبلوماسية بدأت في 2021، بل تحول إلى “ثقب أسود” يبتلع مستقبل المنطقة. دعونا نضع العواطف القومية جانباً للحظة، وننظر إلى لغة الأرقام التي لا تكذب.
ستار التأشيرات الحديدي: الجدار الجديد
في أكتوبر 2024، ظن الكثيرون أن فرض الجزائر التأشيرة على المغاربة كان قمة التصعيد، لكن عام 2025 و2026 كشفا عن وجه أقبح للعزلة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بمنع التنقل؛ بل تحول إلى “إذلال بيروقراطي”. بينما تُعفى الرباط من قوائم التقييد الأمريكية، نجد الجزائر اليوم -في سابقة دبلوماسية- ضمن قائمة الدول التي يضطر مواطنوها لدفع “سندات مالية” تصل لـ 15,000 دولار لدخول أمريكا بسبب “تجاوز مدد الإقامة”.
هذا ليس مجرد إجراء إداري؛ إنه مؤشر على انهيار الثقة الدولية في جواز السفر الأخضر، في وقت تفتح فيه الرباط أبوابها عبر “التصاريح الإلكترونية” لانتقاء زوارها بدقة “جراحية”. العائلات المختلطة التي كانت تعبر الحدود بقلوبها، باتت اليوم تحتاج لملفات أمنية وحسابات بنكية لمجرد صلة الرحم.
ميزانيات الحرب: الخبز مقابل الرصاص
لنتحدث بصراحة عن الكارثة: الجزائر خصصت لعام 2026 ميزانية دفاع تتجاوز 22 مليار دولار (أكثر من 3 تريليون دينار). هل تدركون معنى هذا الرقم؟ إنه يفوق ميزانيتي الصحة والتعليم مجتمعتين. في المقابل، المغرب لم يقف متفرجاً، بل رفع ميزانية دفاعه إلى 17 مليار دولار، مركزاً على “القوة الذكية” والتصنيع المحلي للمسيرات.
السؤال الذي يجب أن نطرحه بشجاعة: من المستفيد؟ الجواب ليس في الجزائر العاصمة ولا في الرباط. المستفيدون هم تجار السلاح في واشنطن، موسكو، أنقرة، وتل أبيب. كل صاروخ يتم شراؤه هو مدرسة لم تُبنَ في الجلفة، أو مستشفى لم يُجهز في زاكورة.
حرب العقارات والرموز
لم تتوقف المعركة عند الحدود، بل وصلت إلى قلب العواصم. قضية نزع ملكية عقارات السفارة الجزائرية في الرباط لتوسيع وزارة الخارجية المغربية لم تكن مجرد إجراء قانوني كما تصفه الرباط، ولا “سرقة موصوفة” كما تصفها الجزائر؛ كانت رسالة سياسية بامتياز: “لم يعد لكم مكان هنا”.
وفي ظل هذا التصعيد، تستمر حرب الاستنزاف في الصحراء، حيث الطائرات المسيرة هي الحكم والقاضي، وحيث الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء في 2024 لم ينهِ النزاع، بل دفع الجزائر نحو مزيد من التشدد والبحث عن حلفاء جدد في لعبة شطرنج جيوسياسية معقدة.
إلى أين نتجه؟
في اعتقادي، ونحن نقترب من منتصف 2026، المنطقة لا تسير نحو حرب شاملة -لأن كلفتها انتحارية- بل نحو “الموت البطيء”. إنها حالة من “اللاحرب واللاسلم” تستنزف الموارد، تقتل الأحلام، وتحول المغرب العربي الكبير من حلم للتكامل الاقتصادي إلى أكبر سوق للسلاح والخوف في أفريقيا.





