تهريب الحشيش بسبتة: خبايا عملية “الدرع” التي هزت الميناء.
تتوالى الضربات الأمنية الموجهة لشبكات الاتجار الدولي في السموم، حيث سجل ملف تهريب الحشيش بسبتة فصلاً جديداً ومثيراً كشف عن مدى تطور أساليب المافيا في الالتفاف على المراقبة. في مشهد لا يخلو من الدراما البوليسية، تمكنت المصالح المختصة مما يسمى “وحدة مكافحة المخدرات” من إحباط محاولة تهريب ضخمة كانت تستهدف الضفة الأخرى عبر وسيلة غير تقليدية: قارب شراعي فاره. العملية التي أطلق عليها اسم “عملية الدرع” لم تكن مجرد صدفة، بل جاءت لتؤكد أن مسارات تهريب الحشيش بسبتة بدأت تأخذ منحى أكثر تعقيداً بعد التضييق الخانق على المنافذ البرية. فبينما ينشغل العالم بمراقبة الحدود التقليدية، كانت هناك خطة تُحاك داخل مرسى المدينة البحري، بعيداً عن الأعين المتربصة، لكن يقظة نظام المراقبة الوثائقية كانت لهذه الشبكة بالمرصاد.
لغز المرأة والأكياس الثقيلة: كيف بدأ الخيط؟.
بدأت فصول هذه الواقعة عندما رصدت أعين الرقابة تحركات مشبوهة لامرأة كانت تتردد على أحد القوارب الشراعية الراسية بالميناء. لم تكن تحمل حقائب سفر عادية، بل كانت تنقل أكياساً ثقيلة الوزن بشكل متكرر ومثير للريبة. هذا السلوك دفع المحققين للتساؤل: ما الذي يمكن أن تحتويه هذه الأكياس في وقت يتحدث فيه الجميع عن غلاء المعيشة وتضييق الخناق على لقمة عيش المواطن البسيط في المناطق الحدودية؟ بعد إتمام عملية النقل، توجهت المرأة إلى المحطة البحرية بنية السفر نحو الجزيرة الخضراء، كنوع من التمويه لإبعاد الشبهة عن القارب. غير أن توقيفها هناك، وبحوزتها مبلغ مالي قدره 1200 يورو، كان بمثابة حجر الزاوية الذي فكك خيوط العملية بالكامل، حيث قاد المحققين مباشرة إلى القارب الشراعي الذي كان يتأهب للإقلاع.
تفتيش دقيق واستعانة بالكلاب المدربة.
عند اقتحام القارب، وجد العناصر الأمنية شخصاً ثانياً كان يتهيأ للإبحار. لم تكن الشحنة ظاهرة للعيان، بل كانت مخفية بعناية فائقة أسفل هيكل القارب (الفراغ البيني)، وهو أسلوب هندسي يعتمده المهربون لتضليل أجهزة السونار والتفتيش اليدوي. وبفضل استعانة المصالح الأمنية بالكلاب المدربة وخبراء الأدلة الجنائية، تم استخراج 148 كيلوغراماً من مخدر الحشيش، كانت معدة بعناية في أكياس مخصصة لمقاومة الرطوبة. هذا الحجز الوازن يطرح تساؤلات حارقة حول مصادر هذه الكميات الكبيرة، وكيف تمكنت هذه الشبكات من تجميعها ونقلها إلى داخل الميناء رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي تُطبق عادة على المواطنين البسطاء عند المعابر. إنها مفارقة صارخة تجعل المراقبين يتساءلون عن “الثقوب” التي تتسلل منها الحيتان الكبيرة بينما تعلق الأسماك الصغيرة في شباك القوانين.
من نفق تاراخال إلى عرض البحر: صراع البقاء للمافيا.
تأتي هذه الضربة بعد أيام قليلة من اكتشاف نفق تهريب بمنطقة تاراخال، مما يؤكد أن شبكات تهريب الحشيش بسبتة تعيش حالة من التخبط والبحث المستميت عن بدائل. فاكتشاف النفق أغلق باباً أرضياً، مما دفعهم للمغامرة عبر المسالك البحرية المكشوفة. ويرى محللون محليون أن هذه العمليات المتلاحقة تعكس صراعاً خفياً بين ترسانة أمنية متطورة وعقول إجرامية تمولها أموال طائلة. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً في أذهان ساكنة المنطقة: هل تكفي هذه المقاربة الأمنية وحدها لتجفيف منابع التهريب؟ بينما يرى البعض في هذه العمليات نجاحاً، ينظر آخرون بعين الريبة إلى استمرار تدفق السموم رغم كل هذا الحصار، مشددين على ضرورة معالجة الأسباب العميقة التي تجعل من التهريب ملاذاً في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية للشباب بالمنطقة.
تداعيات قضائية وانتظارات الشارع.
من المنتظر أن يتم عرض الموقوفين على أنظار القضاء لمواجهة تهم تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات والمس بالصحة العامة. وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات حول الامتدادات المحتملة لهذه الشبكة، يظل ملف تهريب الحشيش بسبتة مفتوحاً على كل الاحتمالات، خاصة مع وجود مؤشرات على ارتباط هؤلاء الموقوفين بجهات أوسع تنشط على ضفتي المتوسط. في الختام، تبقى “عملية الدرع” حلقة ضمن مسلسل طويل من المواجهة. فهل ستنجح الأجهزة المختصة في الحفاظ على هذا الإيقاع، أم أن أباطرة التهريب يخبئون في جعبتهم أساليب أخرى لم تُكشف بعد؟ والأهم من ذلك، متى سنرى استثمارات تنموية حقيقية تُغني شبابنا عن الوقوع في فخاخ هذه الشبكات الإجرامية؟



















