زلزال التفتيش يضرب “لوبي” المصحات الخاصة بالمغرب
في خطوة تعكس حجم التسيب الذي ظل ينخر القطاع الصحي الخاص، قررت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إحالة ملفات عدد من المصحات الخاصة بالمغرب على النيابة العامة. هذا القرار جاء بناءً على تقارير سوداء أنجزتها المفتشية العامة، كشفت عن خروقات جسيمة ومعايير صحية مهملة، جعلت من جيوب المرضى هدفاً أولاً قبل تقديم أي علاج.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن عمليات التفتيش التي شملت مدناً مغربية عدة، رصدت مخالفات لا تقتصر فقط على الجوانب التقنية والطبية، بل تمتد إلى ممارسات مالية مشبوهة تفتقر للحس الإنساني والامتثال للقانون. ويتساءل المواطن البسيط اليوم: هل ستكون هذه المتابعات بداية لنهاية عهد “شيك الضمان” وابتزاز المرضى في لحظات ضعفهم؟
شيكات الضمان و”النوار”: جمر في جيوب المستضعفين
من أبرز الخروقات التي رصدتها المفتشية العامة لوزارة الصحة، إجبار المرضى على تقديم “شيك الضمان” أو أداء مبالغ مالية مسبقة تحت مسمى “النوار”. هذه الممارسة التي تعتبر سرطاناً ينهش قدرة المغاربة الشرائية، تتم بعيداً عن أعين الرقابة المحاسباتية، وهي مخالفة صريحة للقوانين الجاري بها العمل التي تمنع اشتراط العلاج بأي ضمان مادي مسبق.
المادة 75: القانون يحمي المريض ولكن هل يُطبق؟
يجرم القانون المغربي بوضوح هذه الممارسات؛ حيث تنص المادة 75 من القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، على منع المصحات الخاصة بالمغرب من طلب أي ضمان نقدي أو شيك من المرضى المؤمنين. كما أن مدونة التجارة والقانون الجنائي يقران عقوبات حبسية وغرامات مالية ضد كل جهة تحتفظ بالشيكات كضمانات، ومع ذلك، بقيت هذه الظاهرة مستمرة لسنوات أمام صمت الجهات الوصية، قبل أن تتحرك المفتشية في برنامجها الأخير لشهري فبراير ومارس 2026.
قرارات غير مسبوقة: سحب اتفاقيات وطرد من “CNSS”
لم تتوقف الإجراءات عند حدود الإحالة على القضاء، بل كشفت المصادر عن سحب الاتفاقيات الوطنية (conventionnement) مؤقتاً من بعض المصحات المتورطة. هذا الإجراء يعني حرمان هذه المؤسسات من استرداد مصاريف العلاج عبر الصناديق الضامنة مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى حين إرجاع المبالغ المنهوبة للمتضررين وتسوية وضعيتها القانونية.
وتؤكد التقارير استبعاد ما يناهز 10 مصحات لم تمتثل للإعذارات الموجهة إليها، في خطوة وصفت بأنها “غير مسبوقة” لفرض هيبة القانون. إن استمرار المصحات الخاصة بالمغرب في خرق التعريفة المرجعية الوطنية وتجاوز مقتضيات التأمين الصحي الإجباري يضع علامات استفهام كبرى حول جودة الخدمات المقدمة في مقابل الأسعار الخيالية التي تفرض على المرتفقين.
نحو رقابة شعبية ومؤسساتية دائمة
إن إحالة هذه الملفات على القضاء يجب ألا تكون سحابة صيف عابرة، فالمواطن في الحسيمة، الريف، وكل ربوع المملكة، ينتظر ترجمة هذه التقارير إلى أحكام رادعة. إن تعزيز الشفافية في تدبير ملفات المرضى ومحاربة التجاوزات المالية ليس مجرد ترف إداري، بل هو ضرورة لحماية الحق الدستوري في الصحة.
ختاماً، يبقى الرهان على استمرارية برامج التفتيش السنوية المكثفة، وتفعيل دور المفتشين المحلفين لرصد أي استغلال لحاجة المواطنين. فالمصحات الخاصة بالمغرب يجب أن تكون شريكاً في المنظومة الصحية الوطنية، لا قطاعاً يسعى للربح السريع على حساب آلام الفقراء والمستضعفين.



















