في الوقت الذي كان ينتظر فيه المغاربة أعمالاً درامية تلامس همومهم وترتقي بذوقهم في هذا الشهر الفضيل، أبينا إلا أن نصطدم مجدداً بواقع مرير أصبح بمثابة “تقليد سنوي” لا مفر منه: الاستفزاز. نعم، يبدو أن بعض المخرجين والقائمين على القنوات الوطنية قد قطعوا عهداً غليظاً مع أنفسهم بأن لا يمر رمضان دون “نقطة سوداء” تلوث الشاشة وتخدش حياء الصائمين.
عندما يتحول “التشخيص” إلى “إفتاء” بغير علم
لعل ما فجر البركان هذه السنة ليس مجرد مشهد عابر، بل هو تجرؤ غير مسبوق من ممثلة مخضرمة – يفترض فيها الرزانة وحكمة السنين – خرجت علينا في عمل درامي يُبث من أموال دافعي الضرائب لتمرر ما يشبه “الفتوى العصرية”. المشهد الذي وصفه الآلاف بـ”السقطة الأخلاقية” يُظهر الممثلة وهي تختزل الحجاب الشرعي المقدس في معادلة غريبة: “الجلابة والكسدة والشعر مطلوق”! في محاولة بئيسة لإقناع المشاهد بأن هذا هو الستر، وأن ما عداه تشدد.
هذا الانزلاق الخطير لم يكن مجرد زلة لسان، بل بدا وكأنه رسالة مدروسة بعناية. فأن تخرج شخصية درامية لتقول بملء فيها إن “نزع الحجاب هو الحجاب”، فهذا لعمري أمر لم يسبقنا إليه أحد، وكأن لسان حالها يشرع ديناً جديداً على مقاس الدراما المبتذلة، في خطوة وصفها النشطاء بأنها “فكرة شيطانية لم تخطر حتى على بال إبليس”.
المساس بالمقدس.. خط أحمر
إن الغضب الشعبي الذي نراه اليوم ليس نتاج “تزمت” كما يحلو للبعض وصفه، بل هو رد فعل طبيعي لشعب يرى رموزه الدينية تُهاد وتُمسخ تحت عباءة “حرية الإبداع”. المغاربة، الذين رضعوا حب الدين واحترام الشعائر، لم يستسيغوا كيف تحول الحجاب – رمز العفة وتاريخ أمهاتنا وجداتنا باللحاف والنقاب – إلى مادة للسخرية أو سلعة تُفصل حسب أهواء كتاب السيناريو.
وكما جاء في صرخة أحد الغيورين: “الحجاب المغربي هو اللحاف والنقاب ديال الجدات، ماشي الشعر مطلوق والتبرج”. إن محاولة تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وتسمية التبرج حجاباً، هو استخفاف بذكاء المغاربة واعتداء صارخ على هويتهم الإسلامية.
أين الرقابة؟ أين العلماء؟
السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم بحرقة: إلى متى سيستمر هذا العبث؟ وأين هي الوزارات الوصية ولجان المراقبة مما يُعرض؟ إن تمرير رسائل “سامة مدسوسة في العسل” عبر الدراما هو أخطر أنواع الغزو الفكري، لأنه يدخل كل بيت دون استئذان. واليوم، ونحن نرى هذا التطاول، نتساءل عن دور علمائنا الأجلاء في التصدي لهذا التمييع الممنهج الذي يهدف إلى تطبيع المجتمع مع مفاهيم دخيلة.
ختاماً، رسالتنا واضحة: الفن رسالة بناء لا معول هدم. وإذا كان ثمن “البوز” هو المساس بعقيدة المغاربة وثوابتهم، فبئس الفن وبئس “البوز”. الحجاب سيبقى شامخاً برمزبيته، وستذهب هذه المشاهد إلى مزبلة التاريخ، ولن يبقى منها إلا صحائف سوداء في سجل من تجرأ على شرع الله.



