مدريد تتحدى الإمبراطورية: لا مرور لآلات القتل نحو طهران
في خطوة سيادية غير مسبوقة تعكس رغبة الشعوب في النأي بنفسها عن حروب الوكالة والعدوان الإمبريالي، قررت الحكومة الإسبانية إغلاق الأجواء الإسبانية بشكل كامل أمام كافة الرحلات الجوية العسكرية القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية والمشاركة في العمليات العدوانية التي يشنها التحالف الأمريكي والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية في إيران. هذا القرار يأتي في سياق تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد حرباً مستمرة منذ أكثر من شهر، تغذيها مطامع الهيمنة الغربية ودعم الاحتلال المغتصب للأرض.
حظر شامل على القواعد العسكرية وتفعيل السيادة الوطنية
أكدت مصادر دفاعية لوكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، ونشرت تفاصيلها صحيفة “إل باييس” يوم الإثنين، أن الحكومة الإسبانية لم تكتفِ بمنع استخدام القواعد العسكرية الجوية الواقعة فوق أراضيها، بل وسعت الحظر ليشمل المجال الجوي السيادي للدولة. وتضمن القرار منع الطائرات الأمريكية المتمركزة في دول أوروبية ثالثة من عبور الأجواء الإسبانية للمشاركة في الهجوم على إيران، وهو ما يمثل ضربة استراتيجية للوجستيات القوة الإمبريالية المعتدية.
القرار الإسباني الصارم شمل قواعد حيوية لطالما اعتبرتها واشنطن ملكية خاصة، حيث تم إغلاق قاعدتي “روتا” في إقليم قادس، و”مورون دي لا فرونتيرا” في إشبيلية. هذا التوجه يعكس وعياً بضرورة حماية السيادة الوطنية من الانجرار خلف سياسات القوة التي تدعم الكيان الصهيوني في عدوانه المتواصل على شعوب المنطقة ومقدراتها.
توترات دبلوماسية وتهديدات ترامب بمواجهة الصمود الإسباني
تسبب هذا الموقف الشجاع في زيادة حدة التوترات بين مدريد وواشنطن، حيث سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى انتقاد إسبانيا في مناسبات عديدة، واصفاً القرار بأنه يعيق ما يسميه “العمليات الأمنية”. وبالتوازي مع وصول المدمرة “يو إس إس أوسكار أوستن” إلى قاعدة روتا، تصاعدت الضغوط الأمريكية عبر التلويح بفرض حظر تجاري وعقوبات اقتصادية قاسية ضد إسبانيا.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الحكومة الإسبانية لا تزال ثابتة على موقفها الرافض للمشاركة أو تسهيل الحرب، مفضلةً الانحياز لمبادئ السلم وحق الشعوب في السيادة بدلاً من الرضوخ لتهديدات البيت الأبيض. إن رفض استخدام قاعدتي مورون وروتا يضع حداً لمحاولات تحويل الأراضي الأوروبية إلى منصات انطلاق لضرب استقرار الدول المستهدفة من قبل القوى الاستعمارية الكبرى.
أبعاد القرار وانعكاساته على الساحة الدولية
يتساءل المتابعون للشأن الدولي عن مدى قدرة إسبانيا على الاستمرار في هذا النهج السيادي في ظل القبضة الإمبريالية المحكمة على حلف الناتو. إن صمود مدريد في وجه آلة الحرب الأمريكية والكيان الصهيوني يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل القواعد العسكرية الأجنبية في أوروبا، وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن سياسات الهيمنة والعدوان.
وفي الختام، يبقى القرار الإسباني بإغلاق الأجواء الإسبانية أمام الطائرات الأمريكية علامة فارقة في الصراع الراهن، حيث يثبت أن الإرادة السياسية الوطنية قادرة على الوقوف في وجه القوى العظمى إذا ما توفرت الرغبة في حماية العدالة الدولية ورفض الظلم الممارس ضد الشعوب المقاومة للهيمنة.



















