أكاديمية باريس بفاس.. هل تنصف الكرة أبناء الأحياء؟
كرة القدم، تلك الساحرة التي لطالما كانت ملاذاً للفقراء ومتنفساً للمستضعفين، تبدو اليوم وكأنها تدير ظهرها لمن صنعوا مجدها في الأزقة المنسية. غداً الأحد، 5 أبريل 2026، ستتجه الأنظار نحو حرم جامعة “الأوروميد” (Euromed)، حيث تفتتح أكاديمية باريس سان جيرمان بفاس أبوابها رسمياً. خطوة تندرج ضمن استراتيجية النادي الفرنسي لتوسيع شبكته التكوينية في المغرب، لكنها في المقابل تعيد فتح جرح غائر في جسد الرياضة المحلية: أين موقع أبناء الشعب من هذه المشاريع الاستثمارية الضخمة؟ وكيف يمكن لموهبة فقيرة أن تخترق أسوار الأكاديميات الاحترافية في ظل غياب الدعم وتغول لغة المال؟
بين بريق “الأوروميد” وغبار الملاعب الشعبية
المفارقة صارخة ولا تحتاج إلى مجهر لرصدها. ففي الوقت الذي تقص فيه الأشرطة الحمراء لافتتاح ملاعب معشبة بأحدث المعايير الأوروبية داخل أسوار الجامعة، لا يزال المواطن البسيط يتساءل عن مصير الملاعب الشعبية التي طالها الإهمال والنسيان. مئات المواهب الكروية في أحياء فاس الهامشية وفي مختلف ربوع الوطن تصارع من أجل إيجاد مساحة ترابية صالحة للركض، في ظل سياسات محلية فشلت في توفير بدائل مجانية تحتضن هؤلاء الشباب. إن أكاديمية باريس بفاس تقدم بلا شك إضافة نوعية للبنية الرياضية، لكنها تظل بمثابة “جنة مسورة” لا يدخلها إلا من استطاع تحمل كلفة التكوين الباهظة، تاركة أبناء الطبقات الكادحة في مواجهة مصيرهم المجهول.
كلفة التكوين.. حاجز أسمنتي أمام طموح المستضعفين
لا يختلف اثنان على أن التكوين الاحترافي يتطلب موارد مالية ولوجستية هائلة، غير أن تحول كرة القدم إلى صناعة رأسمالية بحتة يهدد بإقصاء الفئة التي كانت دائماً الخزان الرئيسي للمنتخبات الوطنية. معاناة مستمرة يعيشها الآباء الذين يقفون عاجزين أمام أرقام الانخراط السنوية في مثل هذه الأكاديميات، مما يؤدي إلى وأد مواهب حقيقية قبل أن ترى النور. هنا، لا يمكن إلقاء اللوم على الأندية الأجنبية التي تبحث عن الاستثمار، بل المسؤولية التاريخية تقع على عاتق الإدارات الرياضية المحلية والمجالس المنتخبة التي تخلت عن دورها في تأطير الشباب، واكتفت بالتصريحات الجاهزة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
غياب الرؤية واغتيال المواهب الصاعدة
إن غياب استراتيجية وطنية حقيقية لاكتشاف المواهب في الأحياء الفقيرة يجعل من مبادرات مثل أكاديمية باريس سان جيرمان مجرد جزر معزولة لا تعكس واقع الرياضة الشعبية. يتساءل المتابع للشأن الرياضي: هل يعقل أن ننتظر تدخل المؤسسات الأجنبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما تُصرف الميزانيات الضخمة في مشاريع لا تعود بالنفع المباشر على المواطن؟ إن النخب الرياضية الشابة تحتاج إلى فرص متكافئة، وإلى مسؤولين يحملون همّ تطوير اللعبة بعيداً عن منطق الربح السريع والمحاباة.
هل تكفي الموهبة وحدها لاختراق الجدار؟
وسط هذا الزخم، يبقى الأمل معقوداً على إرادة اللاعبين وعزيمة الجماهير التي لا تقبل بالهزيمة. فوز المستضعفين في معركة إثبات الذات لا يتحقق إلا بالروح القتالية والإصرار على كسر الحواجز. افتتاح أكاديمية باريس بفاس يجب أن يكون جرس إنذار للمسؤولين المغاربة لإعادة النظر في سياساتهم الرياضية، والنزول إلى الشارع لرؤية الكنوز المدفونة في الغبار. وفي انتظار أن تستيقظ الضمائر، يبقى السؤال المفتوح أمام الجماهير: هل ستظل كرة القدم لعبة الفقراء، أم أنها بيعت نهائياً لمن يدفع أكثر؟



















