لم تكد عقارب الساعة تعلن انتصاف ليل الأحد، حتى تسابقت محطات الوقود عبر ربوع الوطن في سباق مع الزمن، ليس لتقديم خدمة أفضل، بل لتحيين لوحات العرض وإعلان ‘الغارة’ الجديدة على جيوب المواطنين. في مشهد يكرس سيطرة منطق الربح السريع، دخلت الزيادات الجديدة حيز التنفيذ بدقة ‘سويسرية’، ليرتفع سعر لتر الغازوال إلى 10,99 درهماً، بينما استقر البنزين عند 12,77 درهماً.
السرعة في العقاب والتراخي في الثواب
المثير للاستغراب ليس تقلب الأسعار في حد ذاته، بل تلك ‘الانتقائية’ الفجة في تطبيق نظام التحيين الدوري. فبينما تُعدل الأثمان نحو الأعلى في أجزاء من الثانية فور صدور القرار، تتبخر هذه النجاعة ‘الرقمية’ فجأة عندما يتعلق الأمر بانخفاض الأسعار العالمية. حينها، وبقدرة قادر، تصبح المحطات في حاجة لأيام طوال لتصريف ‘المخزون القديم’، وتتحول التعليمات من فورية إلى ‘مؤجلة’ حتى إشعار آخر، في مفارقة صارخة تضع المستهلك وحيداً أمام جشع لا يرحم.
المواطن.. الحلقة الأضعف في معادلة السوق
وفيما تبرر شركات التوزيع هذه التحركات بتقلبات الأسواق الدولية وتوازنات العرض والطلب، يبقى المواطن البسيط هو من يؤدي ضريبة هذا ‘التذبذب’ من قوته اليومي. الشهادات الميدانية تؤكد أن المحطات لم تسجل أي تأخير يُذكر في رفع الأثمان عند منتصف الليل، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول غياب الرقابة الصارمة التي تضمن حقوق المستهلك بنفس الحزم الذي تُضمن به أرباح الشركات. هل قدر المواطن أن يظل رهينة ‘نظام تحيين’ لا يتحرك بسرعة البرق إلا عندما يتعلق الأمر بانتزاع دريهمات إضافية من محفظته؟
تساؤلات معلقة بانتظار إجابات منصفة
إن استمرار هذا الوضع يكرس شعوراً بـ ‘الاستفراد’ بالضحية؛ فالمستهلك الذي يراقب شاشات العرض وهي تشتعل ليلاً، يتساءل بمرارة عن منطق ‘تصريف المخزون’ الذي لا يظهر إلا في فترات الرخاء العالمي. هي حلقة مفرغة من المعاناة، تضع مفهوم ‘تحرير الأسعار’ في قفص الاتهام، ما لم يرافقه حزم أخلاقي ورقابة مؤسساتية تحمي الضعفاء من سطوة لغة الأرقام الصماء.










