22 فبراير 1922: حينما تحول ‘البارود’ إلى ‘دولة’.. الوجه الآخر لمقاومة الريف الذي أربك حسابات مدريد

حسيمة سيتي21 فبراير 2026آخر تحديث :
22 فبراير 1922: حينما تحول ‘البارود’ إلى ‘دولة’.. الوجه الآخر لمقاومة الريف الذي أربك حسابات مدريد

بينما كانت أوروبا تلملم جراح الحرب العالمية الأولى، وكانت مدريد لا تزال تحت وقع صدمة ‘أنوال’ المدوية، كان الريف المغربي في 22 فبراير 1922 يشهد حراكاً من نوع آخر. لم يكن صوت الرصاص وحده من يتحدث في تلك الجبال الشامخة، بل كان هناك صوت العقل التنظيمي الذي قرر أن يقلب الطاولة على الاستعمار الإسباني، ليس فقط بالمواجهة العسكرية، بل ببناء ‘دولة’ من رحم المعاناة. إن ما حدث في هذا التاريخ لم يكن مجرد تحركات عشوائية لقبائل غاضبة كما يحاول الأرشيف الاستعماري تصويره، بل كان هندسة دقيقة لمشروع سياسي واجتماعي قاده الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، محولاً المقاومة من رد فعل غريزي إلى مؤسسة منظمة أذهلت العالم.

من الفوضى القبلية إلى النظام الحديدي

لعل السمة الأبرز التي ميزت هذه المرحلة الدقيقة هي الانتقال الجذري في العقلية القتالية والإدارية. لقد أدرك ‘مولاي محند’ بذكائه الوقاد أن دحر الترسانة العسكرية الإسبانية المتطورة لا يمكن أن يتم عبر الشجاعة الفردية وحدها. لذا، كانت التحركات المكثفة في أواخر شتاء 1922 تهدف بالأساس إلى توحيد القبائل التي طالما عانت من التشتت، وصهرها في بوتقة واحدة تحت راية ‘الوطن’ لا ‘القبيلة’. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة ‘تأميم’ للمقاومة، حيث تم وضع الأسس الأولى لما سيُعرف لاحقاً بـ’جمهورية الريف’، وهي خطوة سابقة لأوانها في سياق حركات التحرر العالمية، أثبتت أن ابن الريف قادر على ممارسة السياسة والإدارة بنفس البراعة التي يضغط بها على الزناد.

حرب على جبهتين: العدو الخارجي والجمود الداخلي

إن القراءة المنصفة للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن مهمة الخطابي ورفاقه كانت مزدوجة التعقيد؛ فمن جهة، كانت الطائرات الإسبانية والغازات السامة التي بدأت تلوح في الأفق تتربص بالأهالي العزل، ومن جهة أخرى، كان التحدي الأكبر هو هيكلة المجتمع الريفي وتنظيم القضاء والمالية والتموين في ظروف حرب ضروس. في هذا التاريخ، لم نكن أمام مجرد ‘متمردين’ -كما تصفهم مدريد- بل أمام ‘بناة دولة’ يعملون تحت القصف. لقد تم تأسيس هياكل تنظيمية ضمنت العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد، مما عزز الحاضنة الشعبية للمقاومة وجعل من المستحيل على الآلة العسكرية الإسبانية كسر شوكة شعب يقاتل بعقيدة وإيمان ونظام.

العدالة المغيبة وصوت الضحية

اليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى، لا بد أن نتساءل: لماذا يركز التاريخ الرسمي غالباً على المعارك ويتجاهل هذه الملاحم التنظيمية؟ الجواب بسيط ومؤلم في آن واحد؛ لأن الاعتراف بوجود تنظيم سياسي وإداري محكم في الريف عام 1922 ينسف السردية الاستعمارية التي بررت احتلالها بدعوى ‘نشر الحضارة’ في مناطق ‘السيبة’. الحقيقة التي يجب أن تُقال بصوت عالٍ هي أن الريف كان يمارس ديمقراطية الشورى والعدالة الثورية في وقت كانت فيه القوى الاستعمارية تمارس أبشع أنواع الإبادة. إن استذكار 22 فبراير هو انتصار للضحية التي رفضت أن تموت بصمت، وقررت أن تكتب تاريخها بمداد من دماء وبناء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة