نفق مخدرات سبتة: كيف تم توقيف العقل المدبر للشبكة؟

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
نفق مخدرات سبتة: كيف تم توقيف العقل المدبر للشبكة؟
بقلم: بدر الهواري

نفق مخدرات سبتة: هندسة إجرامية في ظل غياب البدائل التنموية

في عملية أمنية وصفت بالأضخم، تمكنت السلطات الأمنية الإسبانية، بتنسيق وثيق مع نظيرتها المغربية، من وضع حد لأسطورة “مهندس الأنفاق”، الذي ظل لسنوات يدير إمبراطورية سرية تحت الأرض. نفق مخدرات سبتة ليس مجرد ممر للتهريب، بل هو تجسيد لتعقيد الشبكات الدولية التي تستغل المناطق الحدودية في ظل وضع اقتصادي واجتماعي مأزوم يضع المواطن البسيط في فوهة المدفع، بينما يراكم الحيتان الكبيرة ثرواتهم خلف الجدران العازلة للصوت.

الهندسة الخفية.. كيف يدار نفق مخدرات سبتة؟

العملية التي قادها أكثر من 250 عنصراً أمنياً لم تكن مجرد مداهمة عادية، بل كشفت عن مستوى مرعب من التخطيط. النفق المكتشف تم إخفاء مدخله بذكاء خلف ثلاجة صناعية ضخمة داخل مستودع، ما يطرح تساؤلات حارقة حول كيفية مرور كل هذه الآليات والمعدات دون إثارة انتباه المسؤولين المحليين، وهو ما يغذي ريبة المواطن في الريف والشمال حول تواطؤات محتملة أو تقصير فادح في الرقابة.

يمتد نفق مخدرات سبتة على ثلاثة مستويات مدروسة بعناية: بئر عميق للنزول، غرفة وسيطة مخصصة لتخزين الشحنات، وممر نهائي يصل مباشرة إلى التراب المغربي. المثير للدهشة ليس فقط الطول، بل التجهيزات التقنية؛ سكة حديدية، عربات نقل، أنظمة رفع هيدروليكية، ومضخات مياه متطورة. هذه التجهيزات تؤكد أننا أمام “شبكة الشبكات”، تنظيم يمتلك إمكانيات تتجاوز أحياناً إمكانيات المقاولات الصغرى التي تعاني الأمرين للظفر بصفقة قانونية في المنطقة.

لقد كان “عراب النفق” يشرف على كل تفصيل، مستفيداً من خبرته في نفق سابق اكتُشف العام الماضي. وهنا يتساءل المتابع للشأن المحلي: كيف تمكن هذا الشخص من العودة للنشاط وبناء نفق أكثر تعقيداً؟ أين كانت أعين المراقبة؟ إن تكرار هذه الحوادث يعكس مفارقة صارخة بين الخطابات الرسمية حول “ضبط الحدود” وبين واقع الاختراقات التي تنفذها كارتيلات الموت.

أرقام ثقيلة وحقائق مرة خلف العمليات الأمنية

أسفرت المداهمات المتزامنة في سبتة، ماربيا، قادس، هويلفا وبونتيفيدرا عن توقيف 27 شخصاً، وحجز كميات خيالية شملت 17 طناً من الحشيش و88 كيلوغراماً من الكوكايين. بالإضافة إلى ذلك، تم ضبط 1.43 مليون يورو نقداً و15 سيارة فاخرة. هذه الأرقام الفلكية تعري واقع التهميش الذي تعيشه ساكنة المناطق الشمالية؛ فبينما يتم تداول الملايين في صفقات الممنوعات، يصارع الشاب الريفي غلاء المعيشة وانعدام فرص الشغل الكريمة، مما يجعله وقوداً سهلاً لهذه الشبكات الإجرامية.

إن حجز 66 جهاز اتصال متطور يعكس الترسانة التقنية التي يمتلكها المهربون، وهي إمكانيات تضع الأجهزة الأمنية في تحدٍ مستمر. ومع ذلك، يظل السؤال المطروح في الشارع: هل توقيف الرؤوس المدبرة سينهي الظاهرة؟ أم أن غياب التنمية الحقيقية سيظل ينتج “مهندسين” جدداً للأنفاق طالما بقيت الحاجة والفقر سيدا الموقف؟

تداعيات السقوط وصمت المسؤولين

أكدت وزارة الداخلية الإسبانية أن الضربة قوية وموجعة، لكن في العمق، يظل القلق سيد الموقف لدى الأسر في المنطقة الشمالية والمغربية بشكل عام. إن تفكيك نفق مخدرات سبتة هو انتصار أمني بلا شك، لكنه هزيمة اجتماعية بامتياز، إذ يظهر كيف تحولت حدودنا إلى ملاعب للمغامرين الدوليين. وبينما تتبادل السلطات البلاغات، ينتظر المواطن البسيط إجراءات تمس واقعه اليومي، بعيداً عن لغة الأرقام المحجوزة والاعتقالات.

ختاماً، يبقى ملف نفق مخدرات سبتة مفتوحاً على احتمالات شتى. فهل سنشهد تحركاً حقيقياً لمعالجة مسببات التهريب من جذورها؟ أم سننتظر اكتشاف نفق ثالث تحت ثلاجة أخرى؟ الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن الحل الأمني لوحده لن يردم أنفاق اليأس التي يحفرها التهميش في قلوب الشباب قبل أن يحفرها المهربون في الأرض.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق