لطالما بدا مشروع النفق البحري الرابط بين قارتين أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع. لكن، وبشكل مفاجئ، عادت إسبانيا لتنبش في أوراق هذا الحلم القديم، ضاخة أموالاً ضخمة عبر صناديق الجيل القادم الأوروبية. في اعتقادي، لا يمكن أن يكون التوقيت بريئاً أو مجرد صدفة إدارية. لماذا الآن بالذات؟ وما الذي يختبئ خلف الأرقام المعلنة؟
ملايين في باطن الأرض.. استثمار أم مغامرة؟ الأرقام تتحدث عن نفسها، لكنها لا تروي القصة الكاملة. لقد خصصت وزارة النقل الإسبانية 1.6 مليون يورو لدراسات الجدوى الجيولوجية لنفق السكك الحديدية تحت مضيق جبل طارق. مسار النفق يمتد على طول 38.5 كيلومتراً، منها 28 كيلومتراً مغمورة بالكامل تحت مياه البحر، ليربط بين نقطتي بونتا بالوما وتاريفا الإسبانية ومالاباتا بطنجة، على عمق يسجل 475 متراً. هل هذه الميزانية الاستطلاعية كافية لترويض جيولوجيا مضيق جبل طارق المعقدة، أم أنها مجرد طعم لجذب استثمارات أكبر؟
لعبة الشركات والتحالفات الاستراتيجية من واقع تتبعنا لمثل هذه المشاريع الضخمة، نجد أن التكليفات لا تُوزع عبثاً. شركة إينيكو (INECO) الإسبانية وضعت يدها على المشروع الأولي، بينما حصدت العملاقة الألمانية هيرينكنيشت (Herrenknecht) ميزانية تقدر بـ 350 ألف يورو لدراسة تقنيات الحفر. نحن نتحدث عن تكلفة إجمالية مرتقبة تتأرجح بين 8 و10 مليارات يورو. من سيتحمل هذه الفاتورة الفلكية إذا ما تضاعفت، كما هو معتاد في مشاريع البنية التحتية العملاقة؟ هل ستكون جيوب دافعي الضرائب الأوروبيين أم أن هناك صناديق سيادية مخفية في الكواليس؟
خريطة طريق 2030.. وما بعدها هذا النفق، الذي يَعِد باختزال المسافة بين العاصمتين مدريد والدار البيضاء في رحلة قطار لا تتجاوز 5.5 ساعات، وُضع له سقف زمني يُشير بضبابية إلى ما بعد 2030. هنا تبرز تساؤلات ملحة: هل يُستخدم زخم التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 كقاطرة لتمرير اعتمادات مالية ضخمة لمشروع لن يرى النور إلا بعد طي صفحة المونديال بسنوات؟ أم أن مدريد والرباط تؤسسان بصمت لعصر جيوسياسي واقتصادي جديد يغير موازين القوى في غرب المتوسط؟
يبقى إحياء هذا النفق البحري خطوة تحمل في طياتها أكثر من مجرد إنجاز هندسي. إنها إعادة رسم لخارطة النفوذ والاقتصاد والتجارة العالمية. وسنظل في موقعنا الاستقصائي نراقب من وراء الكواليس كيف ستُصرف هذه المليارات، وهل سيتحول الحلم الإسباني-المغربي إلى جسر حقيقي أم سيبقى مدفوناً إلى الأبد تحت أمواج المضيق العاتية.















