قد تبدو جدران السجون قادرة على عزل الأجساد، لكنها غالباً ما تفشل في مصادرة الأصوات. لم يكن الشاب الذي صرخ ذات يوم في ساحات الحسيمة مطالباً بمستشفى وجامعة، يتخيل أن صوته سيعبر المحيطات ليتردد صداه في تقارير كبرى المنظمات الدولية.
اليوم، يعود اسم ناصر الزفزافي إلى الواجهة، ليس من خلال جلسة محاكمة جديدة، بل عبر بوابة منظمة “فريدوم هاوس” الأمريكية. فقد قررت هذه الهيئة الدولية العريقة، التي تأسست في واشنطن عام 1941، إدراج اسمه ضمن قائمة المدافعين عن الديمقراطية المعتقلين عالمياً.
من ساحات الريف إلى منصات التتويج الرمزي
هذا التصنيف يأتي ضمن برنامج “Free Them All”، وهو مبادرة تسلط الضوء على سجناء الرأي الذين دفعوا حريتهم ثمناً لمواقفهم. وبناءً على ذلك، لم يعد الزفزافي مجرد “زعيم حراك محلي” كما تصفه بعض الأوراق الرسمية، بل ارتقى ليصبح رمزاً عالمياً للمقاومة الديمقراطية، في خطوة تتقاطع مع ترشيحه السابق لجائزة “ساخاروف” لحرية الفكر عام 2018.
لكن الزاوية الأهم هنا لا تكمن فقط في التكريم الدولي، بل في القصة الإنسانية الموجعة التي تقف خلفه. إنها قصة حراك انطلق خريف عام 2016 بعد الفاجعة التي أودت بحياة بائع السمك محسن فكري. حينها، لم تكن المطالب تتجاوز حدود الحق في الحياة الكريمة، رفع التهميش، وتوفير فرص العمل لشباب المنطقة.
ضريبة الموقف وفقدان السند
وعلى نقيض ما يعتقده البعض بأن الزمن قادر على طي الملفات، لا تزال تفاصيل محاكمة الزفزافي حاضرة بقوة. فمنذ اعتقاله في أواخر ماي 2017، وصولاً إلى تثبيت حكم السجن النافذ لمدة 20 سنة، ظلت المنظمات الحقوقية تعتبر ما جرى محاكمة لحرية التعبير والتظاهر السلمي، وليس مساساً بالأمن الداخلي كما نصت صكوك الاتهام.
غير أن أقسى ما في هذه السردية ليس رقم “20 سنة” المدون في السجلات، بل تلك اللحظات الإنسانية القاسية التي لا توثقها المحاكم. فقد أمضى الزفزافي أكثر من سبع سنوات خلف القضبان، متنقلاً بين السجون، ليتلقى هناك النبأ الأكثر إيلاماً: رحيل والده، أحمد الزفزافي، بعد صراع مرير مع مرض السرطان خريف عام 2025.
رغم المناشدات الحقوقية المتكررة لتمكينه من مرافقة والده في أيامه الأخيرة، لم تُفتح الأبواب إلا لإلقاء نظرة وداع خاطفة. رحل الأب الذي كان بمثابة الصوت الصادح لابنه في الخارج، تاركاً غصة لا تمحى وتساؤلات مستمرة حول البعد الإنساني في التعاطي مع مثل هذه الملفات الحساسة.
في النهاية، ربما نتساءل جميعاً: هل يمكن للأحكام الثقيلة أن تنهي القضايا العادلة؟ إن تصنيف “فريدوم هاوس” الأخير يقدم إجابة واضحة؛ فكلما ضاقت مساحات الحرية محلياً، اتسعت دوائر التضامن عالمياً. وتبقى الحقيقة ساطعة كشمس الريف: المطالب المشروعة لا تموت، بل تولد من جديد بأشكال لا تتوقعها أروقة القرار.















