لم يشهد تاريخ الدبلوماسية الأمريكية مشهداً سريالياً كهذا من قبل. الرئيس الذي لطالما تفاخر بأنه “صانع الصفقات” الأقوى في العالم، يقف اليوم عاجزاً عن البوح باسم الشخصية الإيرانية رفيعة المستوى التي يفاوضها مبعوثه ستيف ويتكوف. لماذا؟ ببساطة، وكما صرح بنفسه، لأنهم “سيغتالونه”.
ربما نتساءل جميعاً: من هم هؤلاء الذين يملكون جرأة اغتيال مفاوض سري يجلس تحت مظلة المبعوث الشخصي لرئيس الولايات المتحدة؟ الإجابة لا تحتاج إلى الكثير من العناء، بل تكفي نظرة سريعة على من يملك “زر الاغتيالات” النشط حالياً في الشرق الأوسط. هذا الحوار العبثي لا يكشف فقط عن أزمة ثقة، بل يفضح بمرارة حقيقة من يمسك فعلياً بعجلة القيادة.
من يقود من في هذه المسرحية؟
على نقيض ما يعتقده البعض من أن واشنطن هي من تضع الخطوط الحمراء، تبدو الصورة الآن معكوسة تماماً. أمريكا تفاوض وتناور وتتكفل بالتصريحات، بينما الصوت الإسرائيلي هو الأقوى والأكثر حسماً على الأرض. في واقع الأمر، تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها مقاول تنفيذ نشط، ينتظر الموافقة النهائية من “المهندس” الجالس في تل أبيب.
إذا كان الرئيس الأمريكي يخشى على حياة شريكه في التفاوض من حلفائه قبل أعدائه، فما الذي تبقى من هيبة القوة العظمى؟ هذا المشهد الساخر يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مفاتيح إنهاء هذه الحرب ليست في جيب ترامب، بل تستقر بأمان في قبضة بنيامين نتنياهو.
نهاية اللعبة المفتوحة
بناءً على ذلك، يصبح التفاوض أشبه بلعبة روليت روسية، حيث يحاول ويتكوف إقناع “الشبح” الإيراني بصفقة ما، بينما يجلس الطرف الثالث في الزاوية يلمع سلاحه ويراقب بصمت. أليس من المضحك المبكي أن تكون أقوى دولة في العالم مضطرة لإخفاء هوية مفاوضيها لتعجز عن توفير بوليصة تأمين بديهية على حياتهم؟
لعل الدرس الأهم هنا هو أن “الصفقة الكبرى” تحتاج دائماً إلى ختم المدير الحقيقي. وحتى ذلك الحين، سيبقى اسم المفاوض الإيراني سراً أمنياً دفيناً، ليس خوفاً من أعداء أمريكا، بل حماية له من أصدقائها ومخالبهم الطويلة!



















