لم تكن أحداث مسجد الفتح في مدينة مانريسا بكتالونيا مجرد شجار ليلي عابر أو زلة مراهقين طائشة، بل هي جرس إنذار مدوٍ يكشف عن شرخ عميق ينخر جسد الجالية. في مشهد سريالي وموجع، وقف الآباء داخل صفوف التراويح يبحثون عن السكينة، بينما وقف أبناؤهم في الخارج يرشقون المكان بالحجارة، في مفارقة تطرح تساؤلات حارقة حول بوصلة جيل بأكمله يتسرب من بين أيدينا في صمت.
من موقع الدفاع عن قضايا الفئات المهمشة، لا يمكن الاكتفاء بإلقاء اللوم على هؤلاء الفتية، الذين لم يتجاوز بعضهم السادسة عشرة من العمر، ووصفهم بالمنحرفين. هؤلاء الشباب هم نتاج بيئة مزدوجة طاحنة؛ فهم يعيشون غربة مركبة بين مؤسسات تعليمية ومجتمعية في المهجر تقدم لهم منظومة قيم مختلفة، وبين أسر أنهكتها طاحونة العمل اليومي ومعركة الاندماج والضغوط الاقتصادية، فغاب الحوار وحل محله الفراغ أو الإكراه التربوي.
إن توجيه تهمة ‘المساس بحرية المعتقد والمشاعر الدينيه لشباب ينحدرون من أصول مسلمة يحمل دلالات قاسية. لقد تحولوا في لحظة غضب وغياب للتأطير إلى ما يشبه ‘أطفال الحجاره ضد ذويهم، ما يستدعي وضع مؤسسات الجالية والمساجد في قفص المساءلة. فالمسجد في أوروبا لا ينبغي أن يقتصر دوره على فتح الأبواب للصلاة ثم إغلاقها، بل يجب أن يتحول إلى فضاء لاحتضان الشباب، ومحاورتهم بلغة عصرهم، وتخليصهم من براثن الضياع في شوارع التهميش.
ما وقع في مانريسا ليس مجرد قضية أمنية، بل هو ملف اجتماعي يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. إن إنقاذ هذا الجيل يتطلب مقاربة شجاعة تتجاوز الإدانة الجاهزة إلى فهم حقيقي لجذور التمرد، وإعادة بناء جسور الثقة بين الآباء والأبناء، قبل أن نجد أنفسنا أمام أجيال قادمة لا يربطها بتاريخها وهويتها سوى لوائح الاتهام.















