تحولت أزمة نهائي كأس أمم أفريقيا إلى واحدة من أعقد القضايا القانونية في تاريخ الكرة الأفريقية، بعد قرار الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) سحب اللقب من السنغال ومنحه للمغرب بسبب أحداث الانسحاب من المباراة. ومع انتقال المعركة إلى أروقة محكمة التحكيم الرياضي (الطاس/CAS) في لوزان السويسرية، انقسم خبراء القانون الرياضي الدولي حول المآل النهائي لهذه القضية المفتوحة على كل الاحتمالات.
1. صراع الخبراء: رومان بيزيني مقابل ريموند هاك
برز في هذه القضية طَرحان قانونيان متناقضان تماماً، يقودهما خبيران دوليان:
- طرح المحامي الفرنسي رومان بيزيني:
يرى بيزيني أن فرص السنغال في الفوز بالاستئناف “ضعيفة جداً”، مُرجحاً بنسبة 75% أن تُثبّت “الطاس” تتويج المغرب. يستند بيزيني إلى التطبيق الحرفي والصارم للوائح الكاف، وتحديداً المادتين 82 و84، اللتين تنصان بوضوح على أن أي فريق يرفض مواصلة اللعب أو يغادر أرضية الملعب دون إذن الحكم، يُعتبر خاسراً للمباراة بنتيجة (3-0). ويعتبر بيزيني أن محكمة التحكيم الرياضي لا تتساهل مع حالات رفض اللعب، وترفض تبريرها بقواعد أخرى مثل قاعدة الفيفا بوجود 7 لاعبين كحد أدنى. - طرح المحكم الدولي ريموند هاك:
على النقيض تماماً، يرى ريموند هاك (الرئيس السابق للجنة الانضباط بالكاف ومحكم في الطاس) أن السنغال هي الأقرب لكسب القضية بنسبة 75%. يجادل هاك بأن قرار لجنة الاستئناف بالكاف “ضعيف قانونياً” لأنه أخطأ في تفسير اللوائح. ويعتمد هاك على حجة إجرائية بحتة: “الحكم هو الشخص الوحيد المخول بإنهاء المباراة”، وبما أن الحكم لم يُنهِ اللقاء بشكل قانوني سليم قبل انتهاء الوقت، فإن إعلان خسارة السنغال يُعد باطلاً. كما يرى أن الكاف دمج بين مواد قانونية لا يجب تطبيقها معاً في هذه الحالة.
2. حجج المغرب في المواجهة القانونية
يرتكز الملف المغربي أمام “الطاس” على أسس قانونية صلبة ومباشرة، تتلخص في:
- الانسحاب غير المبرر: إثبات أن المنتخب السنغالي غادر أرضية الملعب ورفض استكمال المباراة بطريقة تخالف الروح الرياضية ولوائح المسابقة.
- قوة النص القانوني للكاف: التمسك بتطبيق المادة 82 من لائحة المسابقة، والتي تُفعل تلقائياً عقوبة الخسارة (3-0) في حالة الانسحاب، بغض النظر عن أي أخطاء تحكيمية أو تنظيمية رافقت المباراة.
- حماية النزاهة: حجة أن التسامح مع انسحاب السنغال سيخلق سابقة خطيرة تسمح لأي فريق بمغادرة الملعب متى شعر بالظلم، مما يدمر أسس المنافسة.
3. تداعيات الأزمة على سمعة الكرة الأفريقية
شكّل هذا الحدث ضربة موجعة لصورة الكاف عالمياً، وأعاد للأذهان “فضيحة رادس” عام 2019 بين الوداد والترجي. لقد أظهرت الأزمة:
- هشاشة تنظيمية: عجز مسؤولي الكاف والحكام عن السيطرة على الأزمات الميدانية الكبرى واحتوائها قبل تطورها لانسحاب.
- انعدام الاستقرار القانوني: تضارب قرارات اللجان الداخلية للكاف يرسل رسالة سلبية للمستشهرين والرعاة والفيفا، خاصة وأن القارة مقبلة على استحقاقات عالمية كبرى (مونديال 2030 بالمغرب).
4. مصير الكأس والجوائز المالية وموعد القرار
وفقاً للوائح وبتأكيد من الخبراء، لن تقوم السنغال برد الكأس، والميداليات، والجائزة المالية (البالغة 7 ملايين دولار) في الوقت الراهن. السنغال متمسكة بحيازة اللقب مادام الاستئناف قيد النظر. ولن يتم إجبارها على إرجاع الجوائز المالية للمغرب إلا بعد صدور قرار نهائي وباتّ من “الطاس”.
أما بخصوص موعد القرار، فإن قضايا التحكيم الرياضي من هذا الحجم، والتي تتطلب جلسات استماع وتقديم مذكرات، تستغرق عادة نحو 6 أشهر. وبالتالي، يُتوقع صدور القرار النهائي لـ “الطاس” بحلول خريف عام 2026.
الخلاصة: أي الطرحين أرجح؟
بالاستناد إلى السوابق القضائية لمحكمة التحكيم الرياضي (CAS/TAS)، يَبدو طرح “رومان بيزيني” هو الأرجح والأكثر تماسكاً.
السبب المنطقي والقانوني: في فقه القضاء الرياضي الدولي (Jurisprudence)، تعتبر “الطاس” خروج الفريق من الملعب أو رفضه استكمال اللعب (Refusal to play) مخالفة مطلقة لا مبرر لها. في أزمة الوداد والترجي (2019)، ورغم ثبوت غياب تقنية الـ VAR وضعف الإجراءات التنظيمية، حكمت “الطاس” في النهاية لصالح الترجي لسبب واحد بسيط: الوداد هو من رفض إكمال المباراة.
طرح “ريموند هاك” يركز على ثغرات إجرائية (مثل دور الحكم في إطلاق الصافرة)، لكن “الطاس” نادراً ما تبطل عقوبة انسحاب فريق بناءً على خطأ إجرائي للحكم، لأن المبدأ الأسمى في الرياضة هو استمرار اللعب واللجوء للاحتجاج اللاحق، وليس أخذ الحق بالانسحاب. لذا، كفة تثبيت تتويج المغرب قانونياً تبدو أثقل.



















