في الرابع عشر من مارس عام 1962، كان الكاتب والمفكر الأمازيغي مولود فرعون جالساً في غرفته، يخط آخر سطور يومياته التي وثقت معاناة شعبه. لم يكن يدرك في تلك الليلة أن قلمه سيتوقف للأبد، وأن منظمة الجيش السري الفرنسية (OAS) كانت تذخر بنادقها لتغتال جسده النحيل في صبيحة اليوم التالي، الخامس عشر من مارس، قبل أيام معدودة من إعلان وقف إطلاق النار.
ربما نتساءل جميعاً: كيف يمكن لرجل أعزل، سلاحه الوحيد هو الكلمة، أن يرعب آلة عسكرية استعمارية بأكملها؟ الحقيقة أن “ابن الفقير”، الذي ولد في أعالي جبال تيزي هيبل، اختار أن يكون صوت من لا صوت لهم. لقد نقل معاناة الفلاحين البسطاء، وآلام الأمهات، وقسوة التهميش إلى العالم بأسره، رافضاً أن يغادر وطنه رغم التهديدات المباشرة بالموت.
يوميات كُتبت بحبر الدم
لقد وثق فرعون في مذكراته مشاهد الرعب والموت المجاني الذي كان يحصد أرواح الجزائريين العزل. وفي مفارقة تدمي القلب، كتب في آخر ما دونه أن الناس يخرجون لقضاء حوائجهم دون أن يعلموا إن كانوا سيعودون أم سيموتون في الطريق، مؤكداً أنه رغم حبه للحياة، لن يتخذ أي احتياطات استثنائية. كان يعيش بين شعبه، ويشاطرهم خبز الخوف اليومي.
لكن الزاوية الأهم التي يتغافل عنها التاريخ الرسمي أحياناً، هي بشاعة الاغتيال. في ذلك الصباح المشئوم، اقتحم كوماندوز الموت قاعة الاجتماعات بالمركز البيداغوجي في ابن عكنون، وأمطر فرعون ورفاقه من المفتشين التربويين بوابل من الرصاص. لم يقتلوا مجرد موظفين، بل أعدموا العقل المفكر والنواة الثقافية التي كانت ستعمر ما دمره الاستعمار.
طعنات ذوي القربى ومجاهدو اللحظة الأخيرة
ولعل ما يضاعف من غصة هذه الذكرى، ليس فقط رصاص المحتل، بل جحود ذوي القربى بعد الاستقلال. فقد عانى إرث هذا المفكر الأمازيغي الكبير من محاولات التهميش والتشكيك الممنهجة. وفي شهادة سابقة ومؤلمة لنجله، أكد أن الذين شككوا في وطنية مولود فرعون ما هم إلا “مجاهدو ربع الساعة الأخير”، أولئك الذين تسلقوا المناصب على حساب الدماء الحقيقية التي سالت في الميدان.
في اعتقادي، إن اغتيال مولود فرعون كان محاولة يائسة لاغتيال الهوية الثقافية الأمازيغية والذاكرة الشعبية الحية في شمال أفريقيا. لكن الرصاصات التي اخترقت جسده، حولت كلماته إلى بذور نبتت في عقول الأجيال اللاحقة. لقد رحل “ابن الفقير”، وبقي الفقر والظلم، لكن بقي معه أيضاً صوت فرعون يدوي كالجرس في وجه كل أشكال الاستبداد والتهميش.















