منذ سنوات، والمغربي يعيش صراعاً صامتاً مع عقارب الساعة، صراعاً فرضته ضرورة ‘المواكبة الاقتصادية’ وتجرع مرارته المواطن البسيط في صبحاته المظلمة. لكن، وبمجرد الإعلان عن العودة للتوقيت القانوني (غرينتش)، يسري في الأوصال شعور غريب بالسكينة، وكأن النهار استعاد بركته الضائعة، وكأن عجلة الزمن التي كانت تطاردنا قد توقفت لتمنحنا فرصة لالتقاط الأنفاس. السر في ضوء الشمس لا في عقارب الساعة ما يصفه الكثيرون بـ “النهار اللي كيرجع طويل” ليس وهماً بصرياً، بل هو استجابة فطرية لتصالح الجسم مع الطبيعة. العلم يخبرنا أن الاستيقاظ مع خيوط الضوء الأولى، وليس في عتمة الليل كما تفرضه الساعة الإضافية، يحفز الدماغ على إفراز هرمونات اليقظة والنشاط بشكل تدريجي وصحي. عندما نتأخر ساعة، فإننا نمنح أجسادنا فرصة للاستيقاظ في وقتها ‘الشرعي’ والمناخي، مما ينهي حالة ‘الخمول القسري’ التي تلازم الموظفين والتلاميذ طوال شهور GMT+1. لماذا يختفي الشعور بـ ‘الزربة’؟ تلك الحالة من التوتر الدائم، أو ما يعرف شعبياً بـ “الزربة”، هي نتاج اختلال في ‘الساعة البيولوجية’. عندما تُفرض ساعة إضافية، يضطر الإنسان لمغالبة طبيعته، فيشعر دائماً أنه متأخر، وأن الوقت يهرب من بين يديه. العودة لتوقيت غرينتش هي في جوهرها عودة لـ “الزمن الإنساني”؛ حيث ينسجم إيقاع العمل والتمدرس مع حركة الشمس، فيشعر المرء أن لديه فائضاً من الوقت قبل بدء مهامه، مما يقلل من حدة التوتر النفسي ويرفع من جودة التركيز. انتصار للجسد المنهك خلف هذا الارتياح الشعبي العارم تكمن حقيقة موجعة؛ فالمواطن الذي يُجبر على مغادرة بيته في الظلام، يعيش حالة من “الاعتداء الزمني” المستمر على سلامته الجسدية والمعنوية. إن التشبث بمطلب العودة الدائمة للتوقيت الطبيعي ليس مجرد ترف أو ‘عجز عن التأقلم’، بل هو صرخة دفاع عن حق الإنسان في العيش وفق وتيرته الفطرية، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة الطاقية التي لم يلمس المواطن أثرها في جيبه. في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقاً في أذهان الملايين: إذا كانت ساعة واحدة قادرة على إعادة التوازن والمزاج الحسن لشعب بأكمله، فما الذي يمنع من جعل هذا الارتياح دائماً وليس مجرد ‘سراح مؤقت’؟