في الوقت الذي كانت فيه الشعوب تتطلع إلى الاستقرار وحقن الدماء في منطقة الشرق الأوسط المثقلة بالحروب، تكشف التقارير الصحفية الصادرة عن «واشنطن بوست» عن وجه آخر للدبلوماسية الإقليمية؛ وجه قبيح يختبئ خلف الأبواب المغلقة. يشير التقرير، الذي يستند إلى معلومات استخباراتية ودبلوماسية، إلى أن الرياض مارست ضغوطاً حثيثة ودفعاً متواصلاً للإدارة الأمريكية لتوجيه ضربات عسكرية مباشرة لإيران، في خطوة يمكن وصفها بالمقامرة الكبرى بمصير المنطقة بأسرها.
إن خطورة هذا التقرير لا تكمن فقط في كشفه عن رغبة في التصعيد العسكري، بل في تعرية ازدواجية الخطاب السياسي الذي يتغنى علناً بـ «الأخوة الإسلامية» وحسن الجوار، بينما يمارس في الخفاء سياسة «الأرض المحروقة» عبر استدعاء التدخل الأجنبي لتدمير قوى إقليمية منافسة.
إن هذا السلوك السياسي يضعنا أمام تساؤل جوهري بصفتنا مراقبين ومدافعين عن حقوق الشعوب في الأمن: بأي حق يتم التلاعب بمصير ملايين المدنيين الذين سيكونون وقوداً لأي حرب شاملة قد تندلع نتيجة لهذه التحريضات؟
إن لغة التحريض هذه، التي تستسهل استدعاء الأساطيل الأجنبية لضرب الجيران، تعكس إفلاساً في الرؤية الاستراتيجية وعجزاً عن إدارة الخلافات السياسية بالطرق الدبلوماسية. بدلاً من بناء منظومة أمنية إقليمية مشتركة، يتم الرهان على «الشرطي الأمريكي» لتصفية الحسابات، وهو رهان خاسر تاريخياً أثبتت التجارب في العراق وليبيا وغيرها أنه لا يخلف سوى الدمار والفوضى التي يدفع ثمنها المواطن البسيط من دمه وقوته ومستقبل أبنائه.
إننا أمام وثيقة إدانة سياسية وأخلاقية تستوجب الوقوف عندها طويلاً، فالدفع نحو العسكرة والحروب بالوكالة أو بالأصالة ليس مجرد تكتيك سياسي، بل هو جريمة بحق استقرار المنطقة ومستقبل أجيالها.















