في عالمنا العربي العجيب، حيث تتغير الفتاوى بتغير اتجاه الريح (أو اتجاه الرز)، خرج علينا الشيخ عثمان الخميس بتصنيف فقهي جديد يُضاف إلى موسوعة “الفقه الجيوسياسي”. فجأة، وبقدرة قادر، تحول أبطال غزة الذين يواجهون أعتى ترسانة عسكرية بصدور عارية وصواريخ محلية الصنع إلى “فرقة سياسية منحرفة”، لا لشيء إلا لأنهم -والعياذ بالله- قبلوا دعماً من إيران بعد أن أغلق “أهل السنة والجماعة” الأبواب والنوافذ وحتى فتحات التهوية في وجوههم.
مقياس النقاء السلفي للقذائف
يبدو أن الشيخ يمتلك جهازاً متطوراً لقياس “نقاء العقيدة” في المقذوفات الصاروخية. فإذا كان الصاروخ مصنوعاً بدعم إيراني، فهو “صاروخ رافضي خبيث” لا يجوز الفرح به، ويصبح حامله “حزبياً سلك طريقاً سيئاً”. أما إذا كانت القذيفة أمريكية الصنع، تنطلق من قاعدة “عريفجان” أو تحميها بطاريات الباتريوت المباركة الرابضة على أراضي الكويت، فهذا “رباط في سبيل الله”، والجنود الواقفون خلفها -حتى لو كانوا يتلقون أوامرهم باللغة الإنجليزية- هم “المرابطون الأبطال”.
فقه “الضرورات” الانتقائي
المثير للدهشة -أو للضحك المرير- هو هذا الكيل بمكيالين الذي لا يخطئه إلا أعمى البصيرة. يُعيرون المحاصر في غزة بأنه “ألقى نفسه في أحضان إيران”، متجاهلين أنه الغريق الذي يتعلق بقشة، بينما يغضون الطرف عن دول كاملة ألقت نفسها، ومطاراتها، وموانئها، وقرارها السيادي في أحضان “الشيطان الأكبر” وحلفائه. هل أصبحت الاستعانة بالغرب “حكمة وحنكة”، بينما الاستعانة بالشرق “انحرافاً وبدعة”؟ أم أن الفتوى تدور مع المصلحة الأميركية حيث دارت؟
بين الخنادق والفنادق
من يجلس تحت المكيفات المركزية، وبين أرفف الكتب المجلدة، لا يحق له أن يُنظّر على من يجلس في الخنادق تحت القصف الفسفوري. إن وصف المجاهدين بالانحراف وهم يقدمون أرواحهم، بينما يتم إضفاء القداسة على جيوش لم تطلق رصاصة واحدة إلا في ميادين التدريب (أو على شعوبها أحياناً)، هو قمة التناقض الأخلاقي.
الخاتمة: ذقون وحلاقين
في النهاية، لا يسعنا أمام هذه المفارقات المبكية إلا أن نردد بمرارة: عجباً لهذه الذقون التي تُفتي بالدم البارد، فلا هي نفعت الدين بكلمة حق عند سلطان جائر، ولا حتى حلاقين ربحوا بضع دريهمات من حلقها. إنها مأساة أن يتحول المنبر إلى منصة لتخوين الضحية ومباركة الجلاد، وكل ذلك باسم “المنهج الصافي”.











