في حضرة الذاكرة، وحين نقلب صفحات ‘كتاب الألم’ الريفي، تتساقط الأسماء كثمار ناضجة أنهكها خريف النسيان. لكن اسماً واحداً يظل محفوراً في جذع الزيتونة العتيقة؛ إنه عبد المجيد بليزيد، الرجل الذي لم يكن مجرد عازف أو مؤسس في فرقة موسيقية، بل كان ‘مهندس صوت’ لمرحلة تاريخية كاملة، حين كان الغناء في الريف فعلاً من أفعال المقاومة، لا ترفاً فنياً.
تواتون: صرخة ‘المنسيين’ في وجه العاصفة
في عام 1973، وبينما كانت الحسيمة تلملم جراحها وتعيش تحت وطأة التهميش الممنهج، اجتمع فتية آمنوا بأن ‘الكلمة رصاصة’. لم تكن ‘تواتون’ (التي تعني المنسيون) مجرد فرقة، بل كانت بيانَ وجود. كان عبد المجيد بليزيد، رفقة رفاق الدرب بوجمعة أزحاف، محمد المعكشاوي، وعبد العزيز بنحدو، ينسجون خيوط تجربة فريدة. لم يختاروا الآلات الكهربائية الصاخبة عبثاً، ولم يعتمدوا ‘القيثارة’ و’البانجو’ ترفاً، بل كانت أدواتهم البسيطة سلاحهم الوحيد لكسر جدار الصمت.
عبد المجيد بليزيد: القوة الهادئة
يُعرف بليزيد في أوساط العارفين بخبايا الفن الريفي بـ’الحكيم الصامت’. بينما كانت الحناجر تصدح بالرفض، كانت أنامله تترجم هذا الغضب إلى جمل موسيقية سابقة لأوانها. لقد كان عنصراً محورياً في تشكيل الهوية الصوتية لـ’تواتون’، تلك الهوية التي مزجت بين الشجن الريفي (إزران) وبين القوالب الحديثة المستلهمة من التجربة ‘الغيوانية’، لكن بنكهة أمازيغية خالصة.
ارتبط اسمه بلقب ‘ثيرلي’ (الحرية/الانعتاق) في الذاكرة الشعبية، ربما ليس كلقب رسمي، ولكن كصفة تلازم كل من حمل همّ تلك المرحلة. لقد ساهم بليزيد في تحويل قصائد الألم اليومي—عن الفقر، الهجرة، والقمع—إلى وثائق تاريخية تُغنى. لم يغنوا للحب بمعناه الرومانسي الضيق، بل غنوا لحب الأرض، ولعشق الكرامة المفقودة.
الرحيل والبقاء: ماذا تبقى من العهد؟
اليوم، ونحن نستحضر سيرة هذا المؤسس، نجد أنفسنا أمام مرآة تعكس واقعنا الحالي. لقد تفرق المؤسسون؛ منهم من قضى نحبه كالمرحوم المعكشاوي، ومنهم من اختار المنفى الاختياري في أوروبا، ومنهم من بقي قابضاً على الجمر كبوجمعة أزحاف. لكن عبد المجيد بليزيد يظل في الوجدان شاهداً على زمن كان فيه الفنان ‘فدائياً’ يحمل قيثارته كما يحمل الجندي بندقيته.
إن استعادة سيرة بليزيد ليست ترفاً أرشيفياً، بل هي محاولة يائسة ومقدسة لترميم ذاكرتنا المثقوبة. ففي كل مرة نعيد فيها الاستماع لأغاني البدايات، ندرك أن عبد المجيد ورفاقه لم يكونوا يغنون للماضي، بل كانوا يستشرفون مستقبلاً ما زلنا نناضل من أجل ملامحه.
رسالة أخيرة إلى الجيل الجديد
قد لا يعرف الكثير من شباب ‘الراب’ و’التراب’ اليوم من هو عبد المجيد بليزيد، لكنهم حتماً يمشون على الطريق الذي عبّده هو وجيله بالأشواك والنغمات. لقد دفع هؤلاء ضريبة الفن الملتزم من أعمارهم واستقرارهم، لكي تبقى ‘تواتون’ فكرة لا تموت، حتى وإن غاب أصحابها.















