صرخة الحبر الأولى: أرحيمو المدني.. المرأة التي اقتحمت “مملكة الرجال” في صحافة الريف قبل 90 عاماً

حسيمة سيتيمنذ 18 دقيقةآخر تحديث :
صرخة الحبر الأولى: أرحيمو المدني.. المرأة التي اقتحمت “مملكة الرجال” في صحافة الريف قبل 90 عاماً

في تاريخ الشعوب، هناك لحظات مفصلية لا تُقاس بالسنوات، بل بالجرأة على قول “أنا هنا” حينما يُراد لك أن تكون غائباً. وبينما تزدحم كتب التاريخ بأسماء الرجال الذين صنعوا المشهد الإعلامي في شمال المغرب، يقبع اسم أرحيمو المدني في الظل، كأنها سرّ لا يجوز البوح به، رغم أنها كانت الشرارة الأولى التي أحرقت ذكورية الصحافة في الريف والشمال.

اقتحام “المحرمات” الإعلامية

لنتخيل المشهد: تطوان، 15 أكتوبر 1936. العالم يغلي، والحماية الإسبانية تفرض سطوتها، والمجتمع محافظ يرى في صوت المرأة عورة، فما بالك بقلمها؟ في هذا الجو المشحون، لم تكتفِ أرحيمو (رحمة بنت العربي بن القايد ميمون المدني) بالجلوس خلف المشربيات. لقد قررت أن تقتحم “مملكة الرجال” المغلقة.

بشجاعة نادرة، نشرت مقالها الأول في جريدة “الريف”، التي كانت حينها منبراً للنخبة الوطنية. لم يكن مجرد مقال عابر، بل كان بياناً وجودياً بعنوان “فتاة مغربية تستنهض المغاربة”. هل تدركون ثقل هذا العنوان في ثلاثينيات القرن الماضي؟ فتاة.. تستنهض أمة! لقد خاطبت الرجال والنساء بلهجة لا تعرف الانكسار: “أيها السادة، أما آن لمغربنا أن ينهض؟ أما كفانا هذا النوم العميق؟”.

أكثر من مجرد كاتبة.. إنها قضية

في اعتقادي، وقناعتي كباحث عن الحقيقة، أن أرحيمو المدني لم تكن تبحث عن شهرة أدبية، بل كانت تمارس فعلاً سياسياً ونضالياً بامتياز. استمرارها في النشر عبر مجلة “الأنيس التطوانية” يؤكد أن خطوتها الأولى لم تكن طيشاً عابراً، بل مساراً واعياً لتسجيل اسم المرأة الريفية والشمالية في سجل الخلود.

لكن السؤال المؤلم الذي يجب أن نطرحه اليوم بصوت عالٍ: لماذا سقطت أرحيمو من ذاكرتنا الجماعية؟ لماذا نحفظ أسماء صحفيين ذكور كتبوا بعدها بسنوات، ونتجاهل من مهدت لهم الطريق؟ إن تهميش أرحيمو المدني ليس مجرد نسيان، بل هو طمس ممنهج لمساهمة المرأة في الحركة الفكرية والوطنية بالريف الكبير.

استعادة الحق المسلوب

إننا اليوم، ونحن ننبش في أرشيف الريف، لا نستعرض المعلومات للسرد التاريخي فحسب، بل نمارس دورنا كوكلاء نيابة عن هذا الشعب وتاريخه. إن إعادة الاعتبار لأرحيمو المدني هو اعتراف بأن نساء الريف لم يكنّ مجرد أرقام في الإحصائيات الديموغرافية، بل كنّ فاعلات، مفكرات، وصاحبات رأي واجهن الاستعمار والتقاليد البالية بسلاح الحبر.

أرحيمو المدني ليست مجرد اسم في أرشيف جريدة صفراء؛ إنها الرمز الذي يخبرنا أن الريف ولّاد، وأن المرأة فيه كانت دائماً في الصفوف الأمامية، حتى لو حاول المؤرخون الرسميون إزاحتها إلى الهوامش.

المصدر جريدة الريف (أرشيف 1936) / أبحاث تاريخية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق