في لحظة فارقة تختبر معادن الدول واستقلالية قرارها الوطني، اختارت مدريد ألا تكون مجرد ترس في آلة الحرب الأمريكية العملاقة. ففي الوقت الذي تدق فيه واشنطن طبول التصعيد العسكري ضد إيران، خرج رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ليقول “لا” مدوية، واضعاً القيم الإنسانية والقانون الدولي فوق لغة المصالح والتهديدات، في مشهد يحبس الأنفاس أعاد للأذهان مواقف الكبار في التاريخ الحديث.
كرامة الرفض في وجه الإملاءات
لم يكتفِ سانشيز بالدبلوماسية الناعمة والمواقف الضبابية المعتادة من القادة الأوروبيين؛ بل اختار الوضوح التام. “لا للحرب”، عبارة لخصت الموقف الرسمي الإسباني الذي رفض بشكل قاطع السماح للطائرات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية في “روتا” و”مورون” كمنصات انطلاق لعمليات عسكرية تستهدف إيران. وفي خطابه المتلفز الذي تابعه الملايين، أكد سانشيز بلهجة لا تقبل التأويل أن إسبانيا “لن تتواطأ في عمل يضر بالعالم ويتعارض مع قيمها ومصالحها، فقط خوفاً من الانتقام”. هذا التصريح لم يكن مجرد موقف سياسي، بل كان إعلاناً عن استعادة السيادة الوطنية أمام محاولات الإخضاع.
الابتزاز الاقتصادي.. سلاح الضعيف أخلاقياً
على الجانب الآخر من الأطلسي، وفي سلوك لا يمت للدبلوماسية بصلة، جاء رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشبعاً بلغة الوعيد. فخلال استقباله للمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض، لم يتردد سيد البيت الأبيض في التلويح بـ”قطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا”. هذه التهديدات التي تفتقر لأي مسوغ قانوني، كشفت عن الوجه القبيح للهيمنة التي ترى في الحلفاء مجرد تابعين يجب عليهم الطاعة العمياء أو مواجهة العقاب الجماعي.
ولم يتوقف ترامب عند هذا الحد، بل انتقد مدريد لرفضها الانصياع لرغباته برفع الإنفاق الدفاعي في الناتو إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يرى الكثيرون أنه استنزاف لموارد الشعوب لصالح شركات السلاح الكبرى، في وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى التنمية والرفاه لا إلى سباقات التسلح المجنونة.
القانون الدولي كدرع أخير
الحكومة الإسبانية، المتسلحة بالشرعية الدولية، لم تترك الساحة فارغة أمام هذه الهجمات اللفظية. فقد شددت مدريد على أن استخدام القاعدتين المشتركتين محكوم باتفاقيات صارمة، ولا يمكن أن يتم إلا في إطار أنشطة منسجمة مع ميثاق الأمم المتحدة. وبهذا الرد، تعيد إسبانيا تذكير العالم بأن القواعد العسكرية ليست أراضٍ مستباحة، وأن التحالفات لا تعني التخلي عن المبادئ. كما نبهت إلى أن العلاقات التجارية “متبادلة المنفعة” وليست منة من طرف لآخر، وأن أي مساس بها هو خرق للاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
معركة السيادة مستمرة
بينما تتجه الطائرات الأمريكية نحو قواعد بديلة في ألمانيا، يبقى الموقف الإسباني علامة مضيئة في ليل السياسة الدولية الحالي. إن الخلاف اليوم تجاوز البعد العسكري والاقتصادي؛ إنه صراع إرادات بين من يرى العالم ساحة نفوذ وقوة، وبين من يراه فضاءً للتعايش واحترام القانون. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تداعيات لهذا التوتر العلني، يسجل التاريخ أن مدريد، في هذه الجولة، انتصرت لضميرها ورفضت بيع مواقفها في سوق المساومات الرخيصة.















