سانشيز يتمرد.. ماذا وراء تحدي إسبانيا لترامب؟

حسيمة سيتي11 مارس 2026آخر تحديث :
سانشيز يتمرد.. ماذا وراء تحدي إسبانيا لترامب؟
حين وقف رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، ليردد عبارة 'لا للحرب'، لم يكن مجرد صدى لتاريخ قديم، بل كان يعلن عن واحدة من أجرأ الخطوات السياسية في أوروبا الحديثة. في ذروة التصعيد العسكري الذي تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والذي انطلق أواخر فبراير 2026، اختارت مدريد السباحة عكس التيار.

الرفض الإسباني القاطع لاستخدام واشنطن لقاعدتي 'روتا' و'مورون' العسكريتين في إقليم الأندلس، لم يمر مرور الكرام. فقد أشعل غضب الرئيس الأمريكي العائد إلى البيت الأبيض، دونالد ترامب، الذي لم يتردد في التلويح بقطع العلاقات التجارية بالكامل. لكن، ماذا يختبئ حقاً خلف هذا التحدي الإسباني غير المسبوق؟ هل هي مبادئ راسخة أم مناورات سياسية مدروسة؟

خلفيات القرار.. ذاكرة العراق تستيقظ

لفهم الموقف الإسباني، علينا العودة إلى الوراء قليلاً. الشارع الإسباني لا يزال يحمل ندوب التدخل العسكري في العراق عام 2003، حين رفع المتظاهرون شعار 'لا للحرب' الذي أعاد سانشيز استخدامه اليوم. يدرك سانشيز، الذي يقود ائتلافاً يسارياً هشاً يجمع الحزب الاشتراكي وتحالف 'سومار'، أن الانجرار خلف مغامرة عسكرية في الشرق الأوسط سيكون بمثابة انتحار سياسي.

سانشيز لم يكتفِ بالرفض الدبلوماسي، بل صرح بوضوح أن الضربات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي، واصفاً إياها بأنها كمن يلعب 'الروليت الروسي بمصير الملايين'. إنها لغة قوية، وربما تكون نادرة في القارة العجوز التي سارع معظم قادتها إما للصمت أو الاصطفاف خلف التحالف الأمريكي-الإسرائيلي.

الابتزاز الاقتصادي والدرع الأوروبي

ترامب، بأسلوبه المعتاد، لجأ فوراً إلى سلاح الاقتصاد. في تصريحات نارية أثناء لقائه بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس، وصف إسبانيا بأنها حليف فظيع، كاشفاً أنه وجه وزير خزانته، سكوت بيسنت، لقطع كل التعاملات مع مدريد. ليس هذا فحسب، بل استغل الفرصة لتصفية حسابات قديمة متعلقة بعدم التزام إسبانيا برفع الإنفاق الدفاعي في الناتو إلى 5%.

ولكن الزاوية الأهم هنا هي: كيف يجرؤ سانشيز على المخاطرة بتبادل تجاري يتجاوز 21 مليار دولار سنوياً؟ من واقع التحليل الاستقصائي، تدرك مدريد جيداً أن التهديدات الترامبية تصطدم بجدار الاتحاد الأوروبي الصلب. السياسة التجارية ليست بيد الدول الأعضاء منفردة، بل تديرها بروكسل. وقد سارعت المفوضية الأوروبية بالفعل لإعلان تضامنها المطلق مع إسبانيا، مما جرد ترامب من قدرته على فرض عقوبات أحادية دون الدخول في حرب تجارية شاملة مع أوروبا.

الهروب إلى الأمام.. كسب المعركة الداخلية

على نقيض ما يعتقده البعض في واشنطن، قدم ترامب هدية سياسية ثمينة لسانشيز على طبق من ذهب. فالحكومة الإسبانية كانت تعاني مؤخراً من ضغوط داخلية شديدة وفضائح فساد أثرت على شعبيتها، في ظل صعود الحزب الشعبي المحافظ وحزب 'فوكس' اليميني المتطرف، اللذين أعلنا دعمهما للحملة العسكرية.

بناءً على ذلك، استغل رئيس الوزراء هذه الأزمة ليعيد تقديم نفسه كحامٍ للسيادة الوطنية والمدافع الشرس عن السلام. من خلال تحدي غطرسة الإدارة الأمريكية، نجح في توحيد صفوف اليسار المتصدع، وتحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية إلى قضية قومية كبرى.

في اعتقادي، المعركة بين سانشيز وترامب تتجاوز حدود قاعدتي الأندلس. إنها صدام مباشر بين رؤيتين للعالم؛ الأولى تعتمد على القوة الخشنة، والثانية تتشبث بالقانون الدولي وترفض تحويل أوروبا إلى مجرد منصة إطلاق صواريخ. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تصمد مدريد حتى النهاية، أم أن واشنطن تملك أوراق ضغط سرية لم تُكشف بعد؟
المصدر تحليل استقصائي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق