إيران لم تكن يوماً مجرد رقعة جغرافية في حسابات الكبار؛ بل هي اليوم مرآة تعكس الوجه الحقيقي لنظام عالمي يكيل بمكيالين. ففي الوقت الذي تتساقط فيه الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية على المدن الإيرانية مخلفة دماراً هائلاً وضحايا لا بواكي لهم، اختارت معظم العواصم الأوروبية الصمت المطبق. صمتٌ يراه الكثيرون تواطؤاً ضمنياً، وتخلياً عن أبسط مبادئ حقوق الإنسان التي طالما تغنت بها القارة العجوز.
لكن وسط هذا الركام الأخلاقي، انطلق صوت مألوف ليشق جدار الخنوع. إنه دومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، الرجل الذي وقف يوماً في عام 2003 ليقول “لا” لحرب العراق، يعود اليوم في مارس 2026 ليفضح صمت بلاده وقارته حيال ما وصفه بـ”العدوان غير الشرعي” على إيران.
صرخة في وجه التواطؤ
لم يكتفِ دو فيلبان بتوجيه اللوم الخفي، بل صوّب سهامه مباشرة نحو قلب التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. وبنبرة لا تخلو من الغضب، أكد أن واشنطن وتل أبيب لم تذهبا إلى الحرب “لتحرير الشعب الإيراني” كما تدعي الماكينة الإعلامية الغربية، بل لفرض هيمنة بقوة النار.
الأكثر إثارة للدهشة في تصريحاته هو مطالبته الجريئة بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إسرائيل والولايات المتحدة. لقد وضع الزعيم الفرنسي الأسبق إصبعه على الجرح الغائر: “من يدمّر، يجب أن يُصلح”. قاعدة بسيطة تتنكر لها الدول العظمى عندما يتعلق الأمر بشعوب الشرق الأوسط، حيث يُترك الأبرياء لدفع فاتورة حروب لم يختاروها.
زعيم وحيد ينقذ شرف أوروبا
وفي خضم انتقاداته اللاذعة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معتبراً أن فرنسا “تخطئ موعدها مع التاريخ”، وجّه دو فيلبان تحية إجلال استثنائية لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز.
لماذا سانشيز بالذات؟ لأن الزعيم الإسباني اختار أن يكون الاستثناء الذي يثبت القاعدة. فقد وقف سانشيز أمام التهديدات المباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورفض بشكل قاطع السماح باستخدام القواعد العسكرية الإسبانية لشن هجمات على إيران. بكلمات مقتضبة وحاسمة قالها للإسبان وللعالم: “لا للحرب”.
موقف سانشيز لم يكن مجرد مناورة سياسية، بل كان تحدياً أخلاقياً كشف عورات قادة آخرين، مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي ابتلع صوته في المكتب البيضاوي بينما كانت إسبانيا تتعرض للتهديد بقطع العلاقات التجارية. لقد أثبت سانشيز، كما وصفه دو فيلبان، أنه الوحيد الذي “يحفظ ماء وجه أوروبا” في هذه اللحظة التاريخية القاتمة.
ضحايا خلف ستار السياسة
وراء هذه التصريحات والمواقف الجيوسياسية، تقبع حقيقة أشد مرارة. حربٌ جديدة تُفرض على منطقة مثقلة بالندوب، حيث يدفع المدنيون في إيران، وكما حدث في دول أخرى، ثمن مغامرات غير محسوبة العواقب.
إن صمت المؤسسات الدولية ومحاولات غض الطرف عن الخسائر البشرية الفادحة، يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل أصبحت دماء شعوب معينة أرخص من أن تستحق إدانة واضحة؟ ربما تكون إجابة دو فيلبان واضحة؛ حين تغيب العدالة الدولية، يصبح الصمت جريمة، والوقوف في وجه آلة الحرب، كما فعل سانشيز، هو البطولة الحقيقية.


















