دراما حكومية في رمضان: الداخلية تفتي في “الشهادتين” ووزارة الأوقاف “خارج التغطية”!

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
دراما حكومية في رمضان: الداخلية تفتي في “الشهادتين” ووزارة الأوقاف “خارج التغطية”!

وكأننا أمام حلقة جديدة من مسلسل “العبث الإداري” الذي تأبى حكومتنا إلا أن تتحفنا به مع كل هلال رمضان. القصة بدأت بقرار “تكنوقراطي” بارد، وانتهت بتراجع خجول، وبينهما ضاع المنطق وحضر السؤال الذي يؤرقنا جميعاً: من يحكم المجال الديني في هذا البلد؟

القرار المهزلة: “صحة” أم “مسح هوية”؟

تخيلوا معي هذا المشهد السريالي: يجتمع خبراء وزارة الداخلية ووزارة الصحة، وبينما المغاربة يئنون تحت وطأة الغلاء، يخرج علينا قرار وزاري مشترك (رقم 1250.25) يحمل همًا “وجوديًا” غريبًا. ما هو؟ هل هو تحسين خدمات المستشفيات؟ لا. هل هو خفض أسعار الدواء؟ قطعاً لا. بل هو “شريطين أخضرين”!

نعم، قررت العبقرية الإدارية أن “معايير السلامة الصحية” تقتضي تجريد سيارات نقل الأموات من هويتها الروحية. فجأة، أصبحت عبارة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” و”كل نفس ذائقة الموت” خطراً على الصحة العامة، وجب استبدالها بطلاء أخضر وعبارة جافة: “نقل الأموات”. هل يُعقل أن يعتقد عاقل أن حذف آية قرآنية من هيكل سيارة سيمنع انتشار البكتيريا؟ أم أن الفيروسات لا تنشط إلا في حضرة الخط العربي؟

التراجع.. حينما تنتصر “النية” على “البلاغ”

بعدما ثارت ثائرة المغاربة في الفضاء الأزرق، وأمام سيل من الانتقادات التي كشفت هشاشة القرار، تسربت الأخبار عن “تراجع حكومي”. قيل لنا إن الحكومة قررت الإبقاء على الشهادتين. جميل. لكن هذا التراجع لا يمحو الخطيئة الأصلية، بل يؤكد أن القرارات في مكاتب الرباط تُطبخ بعيداً عن نبض الشارع، وكأن المسؤولين يعيشون في كوكب آخر.

من حقنا أن نسأل: هل نحتاج دائماً إلى “هبة فيسبوكية” لكي يتذكر المسؤول أن المغاربة مسلمون، وأن الموت عندنا ليس مجرد “نقل جثة” بل رحلة روحية لها وقارها ورموزها؟

السؤال الموجع: أين أحمد التوفيق؟

وهنا نصل إلى مربط الفرس، واللغز الذي حير العقول. في خضم هذه المعركة حول الرموز الدينية، كان هناك غائب أكبر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

أين أحمد التوفيق، الوزير “المُخلّد” في منصبه منذ عام 2002؟ وزارة تعد من أغنى الوزارات في المغرب، تملك الأحباس والعقارات والميزانيات الضخمة، لكن صوتها في النقاش العمومي أخفت من دبيب النمل. كيف يُعقل أن يُترك أمر البت في الشعارات الدينية لوزارة الداخلية؟ هل تحولت “أم الوزارات” إلى مفتي الجمهورية، بينما اكتفت وزارة الأوقاف بدور “المطبعة”؟

إنه لأمر مثير للسخرية المريرة أن تنشغل الوزارة بنشر كتب تراثية – مع كامل احترامنا لقيمتها العلمية – مثل “شرح شهاب القضاعي” أو “علل الحديث”، بينما الشارع يغلي حول مسألة تمس صميم الهوية اليومية للمواطن. كتب الفقه مهمة يا معالي الوزير، لكن فقه الواقع أهم. والمواطن الذي يرى دينه يُدار بقرارات إدارية جافة يحتاج إلى وزير يدافع عن هويته، لا إلى أمين مكتبة.

الزركشة الصحية والسطوة الأمنية

لنتحدث بصراحة، دخول وزارة الصحة في هذا القرار لم يكن سوى “ديكور” لتبرير ما لا يبرر. الحقيقة العارية هي أن وزارة الداخلية هي من تقرر، وهي من تمنع، وهي من تسمح. وما وزارة الأوقاف إلا مشاهد صامت في مسرحية لا تملك فيها حتى حق تعديل النص.

إن تراجع الحكومة اليوم هو انتصار رمزي، لكنه يتركنا أمام حقيقة مخيفة: قراراتنا المصيرية، حتى تلك التي تمس آخر رحلة للإنسان في هذه الدنيا، تخضع لمزاجية إدارية لا تفقه شيئاً في المشاعر، ووزارة وصية غارقة في صمت القبور.. تماماً كسيارات نقل الأموات التي أرادوها صامتة.

المصدر تحليل خاص + تقارير متطابقة
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة