لم تعد المستشفيات العمومية، تلك التي يُفترض أن تكون ملاذات آمنة للاستشفاء وتضميد الجراح، سوى ساحات مفتوحة للصراع اليومي، حيث يجد الطبيب والممرض نفسيهما في مواجهة مباشرة مع غضب الشارع، بلا حماية وبلا سند. إن تواتر حوادث الاعتداء الجسدي واللفظي على “ملائكة الرحمة” لم يعد مجرد حوادث معزولة، بل تحول إلى ظاهرة هيكلية تقرع أجراس الخطر، وتشي بانهيار أخلاقي ومؤسساتي خطير.
صرخة غضب في وجه التسيب
في مشهد بات مألوفاً ومؤلماً في آن واحد، خرج المئات من مهنيي الصحة للتعبير عن سخطهم وتذمرهم من الوضع الكارثي الذي آلت إليه ظروف اشتغالهم. الاحتجاجات الأخيرة لم تكن للمطالبة بزيادات في الأجور أو امتيازات فئوية، بل كانت صرخة وجودية عنوانها “الكرامة والأمن”. فكيف يمكن لطبيب أن يمارس مهنة تتطلب أعلى درجات التركيز والهدوء، وهو يترقب في كل لحظة أن تنهال عليه اللكمات أو الشتائم؟ إن تحويل الأطر الصحية إلى “مصدات” تمتص غضب المواطنين الناقمين على رداءة الخدمات وقلة التجهيزات، هو جريمة مكتملة الأركان ترتكبها الجهات الوصية بصمتها وتجاهلها.

المسؤولية الغائبة: من يحمي الحامي؟
إن السهولة التي يتم بها انتهاك حرمة المؤسسات الصحية تطرح تساؤلات حارقة حول دور الدولة في حماية موظفيها. إن ترك الأطقم الطبية في مواجهة مباشرة مع مواطنين محبطين، غالباً ما يكونون في حالات نفسية صعبة، دون توفير تغطية أمنية فعالة وصارمة، يعتبر تخلياً واضحاً عن المسؤولية. الأطر الصحية اليوم لا تواجه فقط ضغط العمل ونقص الموارد، بل تواجه إرهاباً نفسياً يومياً يجعل من الذهاب إلى العمل مغامرة غير محسوبة العواقب. والمفارقة المؤلمة هي أن الطبيب المُعتدى عليه هو نفسه من يُطالب بإنقاذ الأرواح في ظل شح الإمكانيات.
نحو مخرج من النفق المظلم
لا يمكن اختزال الحل في مقاربات زجرية ظرفية، بل يجب الغوص في عمق المشكل. المواطن ضحية منظومة صحية متهالكة، والمهني ضحية لنفس المنظومة التي وضعته في الواجهة عارياً من كل حماية. إن استعادة الثقة تتطلب إصلاحاً جذرياً يعيد للمستشفى هيبته وللمهني كرامته، ويضمن للمواطن حقه في العلاج دون أن يضطر لتحويل ألمه إلى عنف. إلى ذلك الحين، ستظل الأقمصة البيضاء ملطخة ليس بدماء المرضى فقط، بل بآثار التخاذل الرسمي في حماية أبناء الشعب الساهرين على صحة الشعب.





