لأكثر من 27 يوماً، استباحت الآلة العسكرية كل محرم، ودكت قرى وبلدات بأكملها، تاركة وراءها مشاهد من الدمار والتهجير القسري. ظن البعض أن هذه النيران الكثيفة ستخمد الأصوات وتروض الإرادات، لكن المفاجأة جاءت مدوية من السماء.
بناءً على ذلك، استيقظ العالم اليوم على تطور ميداني غير مسبوق؛ حيث أُطلق ما يقرب من 650 صاروخاً في يوم واحد نحو الأراضي الإسرائيلية. هذا الرقم الضخم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل هو رسالة واضحة بأن سياسة “الأرض المحروقة” لم تفلح في كسر شوكة الجهة المتضررة، بل ربما زادتها إصراراً على الرد ورفض الانكسار.
توازن الرعب وفشل الرهانات
على مدار الأسابيع الماضية، سوّقت الرواية الرسمية لانتصارات تكتيكية وعمليات استباقية دقيقة. غير أن انهمار هذا السيل من الصواريخ يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف تمكنت هذه الفصائل من الحفاظ على ترسانتها الصاروخية، ناهيك عن قدرتها على التنسيق والإطلاق بهذا الحجم، بعد كل هذا القصف العنيف؟ الواقع الميداني يثبت أن الحسابات العسكرية البحتة غالباً ما تخطئ في تقدير صلابة من يدافع عن أرضه ووجوده.
حتى اللحظة، تتكتم السلطات المعنية عن حجم الخسائر الحقيقية، مكتفية ببيانات مقتضبة حول تصدي المنظومات الدفاعية لبعض المقذوفات. وفي ظل التعتيم الإعلامي المعتاد، تظل البيانات الدقيقة حول الأضرار المادية والبشرية غير متوفرة بشكل مستقل، لكن دوي صفارات الإنذار المتواصل وحالة الشلل التي أصابت عدة مناطق تعكس حقيقة موجعة أبلغ من أي بيان رسمي.
أكثر من مجرد صواريخ
ربما يتساءل المتابع: ماذا يعني هذا التصعيد بالنسبة للمدنيين العزل الذين يدفعون الفاتورة الأكبر؟ إن هذا الرد العسكري يأتي كصرخة في وجه صمت دولي مطبق، ومحاولة لإعادة رسم خطوط الاشتباك التي حاولت آلة الحرب طمسها بالدم والحديد. المتضرر والمهمش لم يعد يكتفي بلعب دور الضحية التي تنتظر بيانات التنديد والشجب، بل قرر أن يفرض “توازن الرعب” كخيار أخير لوقف النزيف.
في النهاية، قد تختلف التحليلات العسكرية وتتعدد القراءات السياسية، لكن الثابت الوحيد هو أن القوة المفرطة لا تصنع سلاماً، ولا تكسر إرادة الشعوب. فبعد قرابة الشهر من الألم، يبدو أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن الأيام القادمة ستحمل في طياتها الكثير من المفاجآت لمن اعتقد أن المعركة قد حُسمت.



















