في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون اختيار اسم المولود لحظة فرح عائلية حميمة، يتحول هذا الحدث في مكاتب الحالة المدنية عبر شمال إفريقيا -والمغرب تحديداً- إلى ساحة معركة سياسية صامتة. خلف ابتسامات الموظفين وأختامهم، تدور حرب باردة بين “قوائم الأسماء” القديمة وبين رغبة جيل جديد في التصالح مع جذوره. هذا ليس مجرد مقال لاستعراض الأسماء؛ إنه محاولة لفهم لماذا لا يزال اسم مثل “سيفاو” أو “تيتريت” يثير ذعر البيروقراطية.
البيروقراطية ضد التاريخ: لعبة القوائم السوداء
للسنوات طويلة، عاشت العائلات الأمازيغية تحت رحمة ما يُعرف بـ”شرط الطابع المغربي”، وهو بند قانوني فضفاض استخدمه ضباط الحالة المدنية لرفض أي اسم لا يبدو “عربياً” بما يكفي. ورغم صدور مذكرات وزارية (مثل مذكرة 2010 و2014 في المغرب) تمنع صراحة رفض الأسماء الأمازيغية، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن “دولة عميقة” داخل الإدارة. تقارير حقوقية تؤكد أن آباءً في الدار البيضاء، الحسيمة، وأكادير ما زالوا يضطرون لخوض معارك قضائية فقط لتسمية ابنتهم “سيليا” أو “ماسينيسا”. السؤال الذي يطرحه التحقيق هنا: هل هو جهل إداري أم مقاومة أيديولوجية مستترة؟
في اعتقادي، وعبر تتبع مسار هذه الملفات، يبدو أن الأسماء الأمازيغية لا تُرعبهم لأنها “غريبة”، بل لأنها تحمل حمولة تاريخية ثقيلة تستدعي ذاكرة الأرض التي حاول البعض طمسها.
ذكور من عمق التاريخ: أسماء كسرت حاجز الصمت
عندما يختار أب تسمية ابنه اسماً أمازيغياً، فهو غالباً يختار له قدراً وموقفاً. إليكم القائمة التي فرضت نفسها بقوة القانون والتحدي:
- أكسيل (Aksil): يعني “النمر” أو “الفهد”. ليس مجرد اسم لحيوان، بل هو استحضار لروح المقاومة والسرعة. إنه الاسم الذي يخشاه من يريدون جيلاً مدجناً.
- سيفاو (Sifaw): يعني “المنير” أو “المضيء”. اسم يحمل فلسفة التنوير في ثقافة تقدس الشمس والنور.
- إيدير (Idir): يعني “الحي” أو “الذي يعيش”. كان يُطلق قديماً تيمناً بطول العمر وتحدياً للموت والمرض.
- ماسينيسا (Massinissa): ليس مجرد اسم ملك، بل هو رمز لتوحيد شمال إفريقيا. استعادته اليوم هو استعادة لحلم الوحدة المغاربية الكبرى.
- يوغرطة (Jugurtha): رمز السيادة ورفض التبعية. اسم ثقيل جداً في ميزان الهوية.
إناث بعبق الأرض: عندما تكون الأنوثة مقاومة
على نقيض الأسماء المستوردة التي تركز غالباً على الخضوع أو الجمال السطحي، ترتبط الأسماء الأمازيغية للإناث بالطبيعة، القوة، والقيادة:
- تيزيري (Tiziri): تعني “ضوء القمر”. اسم يجمع بين الرقة والقدرة على تبديد الظلام.
- ديهيا (Dihya): الاسم الحقيقي للملكة المحاربة التي سماها العرب “الكاهنة”. تسمية الابنة بديهيا هو بيان سياسي بامتياز يعني تربية امرأة قيادية.
- سيليا (Silya): اسم فاتن يعني الفتاة الجميلة أو الرقيقة، لكنه ارتبط تاريخياً بالنضال في منطقة الريف، مما جعله هدفاً متكرراً للرفض الإداري.
- تيتريت (Titrit): تعني “النجمة”. رمز للهداية في الصحراء والجبال.
- تانيرت (Tanirt): تعني “الملاك” أو “ذات الجمال الملائكي”.
- نوميديا (Numidia): تسمية الابنة باسم المملكة التاريخية هو قمة الانتماء للأرض.
ما وراء الاسم: الختم الأخير
في ختام هذا البحث، يجب أن ندرك أن المعركة لم تنتهِ. ففي كل مرة ينجح فيها مواطن في انتزاع حقه بتسمية ابنه “أمغار” أو ابنته “ماسين”، هو يضع مسماراً جديداً في نعش الإقصاء الثقافي. الأسماء ليست مجرد حروف في كناش الحالة المدنية؛ إنها وثيقة ملكية رمزية لهذه الأرض. والسؤال لكم: هل تملكون الشجاعة لاختيار اسم يروي تاريخكم، أم ستكتفون بما يفرضه موظف الشباك؟



أجمل إسم إعجبني من بين كل هذه الاسماء هو: أكسيل (Aksil)