لم يعد البحر مجرد مقبرة زرقاء تبتلع أحلام الهاربين من جحيم التهميش؛ بل تحول، في مشهد سوريالي، إلى مسرح لعمليات تقنية معقدة، حيث تُدار مآسي البشر بأذرع تحكم عن بعد (Remote Controllers) وشاشات عالية الدقة.
في عملية أمنية نوعية هزت أركان مافيات الاتجار بالبشر بإقليم الناظور، تمكنت المصالح الأمنية، بناءً على معلومات دقيقة وفرتها ‘الديستي’ (DGST)، من تفكيك خيوط شبكة إجرامية دولية تجاوزت الأساليب التقليدية في التهريب. الجديد والمرعب في هذه القضية ليس فقط عدد الموقوفين أو المبالغ المحجوزة، بل هو العثور على ترسانة من ‘الدرونات’ (الطائرات المسيرة) المتطورة، التي كانت تُستخدم كعيون ساهرة في السماء لرصد تحركات دوريات الخفر وحرس الحدود.
من ‘الفانتوم’ إلى ‘الدرون’.. تطور تكنولوجي يقتات على البؤس
إن انتقال شبكات التهريب من مجرد توفير ‘زوارق الموت’ المتهالكة إلى استخدام تكنولوجيا المراقبة الجوية يكشف عن حقيقة موجعة: نحن أمام ‘شركات’ عابرة للقارات تمتلك إمكانيات جيش صغير، بينما الضحية هو ذلك الشاب الريفي البسيط الذي يبيع ما وراءه وما أمامه ليظفر بمقعد في رحلة المجهول.
تفيد المعطيات المتوفرة أن هذه الشبكة كانت تستخدم الطائرات المسيرة لمسح المسالك البحرية وتأمين خط سير الزوارق السريعة (Go-fast)، في تحدٍ صارخ للمنظومة الأمنية. هذا التحول يطرح تساؤلات مشروعة نضعها على طاولة النقاش العام: كيف وصلت هذه التكنولوجيا الدقيقة إلى أيادي هؤلاء؟ ومن يوفر الغطاء اللوجستي لهذه المافيات التي حولت سواحل الريف إلى منصات إطلاق لأرواح يائسة؟
الضحية واحدة.. والجلاد متعدد الأوجه
بصفتنا منحازين دوماً للحقيقة المغيبة، نرى أن الاحتفاء الأمني بتفكيك الشبكة –وهو واجب ومحمود– لا يجب أن ينسينا الجرح النازف. إن لجوء المهربين لهذه الأساليب المتطورة يعني أن ‘سوق الهجرة’ لا يزال مربحاً جداً، وأن الطلب على الهروب من الواقع لا يزال مرتفعاً بشكل جنوني. كلما اشتدت المراقبة، طور المهربون أدواتهم، ودفع ‘الحراك’ البسيط الفاتورة من دمه وماله.
هذه الدرونات التي تحلق فوق رؤوسنا لا ترصد فقط تحركات الأمن، بل توثق أيضاً عجزنا الجماعي عن توفير بديل حقيقي لشباب يرى في الضفة الأخرى خلاصاً وحيداً، حتى لو كان الثمن حياته.
ختاماً، قد ننجح اليوم في إسقاط ‘درون’ أو اعتقال وسيط، لكن طالما بقيت الأسباب الجذرية للهجرة قائمة، وطالما بقي الأمل في الوطن ‘مع وقف التنفيذ’، ستظهر شبكات أخرى، ربما بتقنيات أكثر رعباً. والسؤال الذي يؤرقنا جميعاً: متى ستُسخر هذه التكنولوجيا لخدمة التنمية والحياة في الريف، بدلاً من أن تكون أداة لتسيير قوافل الموت؟



