في الوقت الذي كان فيه العالم يعتقد أن تكنولوجيا الطيران حكرٌ على القوى الاستعمارية العظمى، وأن “الأهالي” في شمال إفريقيا لا يملكون إلا البنادق التقليدية والبارود الأسود، كان هناك رجلٌ من قلب جبال الريف يخطط لكسر هذه القاعدة بجرأة لا تصدق. إنه الصوت الذي زلزل قناعات الجنرالات الإسبان والفرنسيين، وأثبت أن العقل الريفي قادر على تطويع أعقد آلات العصر. نتحدث اليوم عن “حدو بن حمو لكحل”، نسر الريف الذي حلق بجناحي الكرامة قبل أن يحلق بجناحي الطائرة.
من إزمورن إلى مقهى القراصنة: عبقرية فطرية
لم يتخرج حدو لكحل، المولود سنة 1888 في قرية إزمورن (قبيلة إبقوين)، من أكاديمية “سان سير” العسكرية، ولم يجلس يومًا على مقاعد المدارس النظامية. كان “أميًا” بمقاييس الشهادات الورقية، لكنه كان عبقريًا بمقاييس الحياة والحرب. أتقن الأمازيغية، العربية، الإسبانية، والفرنسية بطلاقة، مما جعله جسرًا حيويًا ومخيفًا في آن واحد.
في شبابه، انتقل إلى الجزائر (تحت الاحتلال الفرنسي آنذاك)، وهناك لم يكتفِ بالعمل اليدوي البسيط. بذكائه الوقاد، تقرب من الفرنسيين، تعلم قيادة السيارات وميكانيك المحركات، ثم قفز القفزة الكبرى: تعلم قيادة الطائرات الحربية الصغيرة. وبأموال التجارة التي جمعها، فتح مقهى في الجزائر أسماه “مقهى القراصنة” (Café des Corsaires)، اسمٌ لم يكن عبثيًا، بل كان يعكس روحه التواقة للحرية والمغامرة، وكأنه يمهد لما سيأتي لاحقًا من “قرصنة” مشروعة لانتزاع حقوق شعبه.
وزير الطيران الذي دوخ المخابرات الدولية
عندما اندلعت حرب الريف التحريرية، لم يكن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بحاجة لمقاتلين عاديين فقط، بل كان بحاجة لعقول استراتيجية. استدعى حدو لكحل، وعينه في منصبٍ قد يبدو خياليًا لثورة شعبية في العشرينيات: “مكلف بتأسيس القوات الجوية”. نعم، كانت جمهورية الريف تسعى لامتلاك سلاح جو.
تتجلى عبقرية حدو لكحل هنا في قدرته على خداع المخابرات الفرنسية والإسبانية. أسس شركة تجارية وهمية في الجزائر، وبواسطتها نجح في تهريب قطع غيار وطائرات كاملة (تتحدث المصادر عن شرائه لطائرة ألمانية وتهريبها). لم يكن مجرد طيار؛ كان مهندسًا لوجستيًا، ورئيس جهاز مخابرات محنكًا، استطاع نقل التكنولوجيا المحرمة إلى أعالي جبال الريف. تخيلوا معي المشهد: طائرات استعمارية متطورة تُقصف وتُواجه بطائرات يقودها أو يشرف عليها ابن الأرض، في مفارقة تاريخية قلبت موازين الرعب النفسي.
السقوط الأخير: النفي والموت الصامت
كما هي عادة الأبطال الذين يسبقون عصرهم، كانت النهاية تراجيدية. بعد التحالف الفرنسي الإسباني الساحق واستعمال الغازات السامة، سقطت الجمهورية، ووقع النسر في الأسر. لم يرحمه المستعمر؛ صادروا كل ممتلكاته، ونفوه إلى مدينة الصويرة (موكادور)، ليعيش تحت الإقامة الجبرية.
عاش حدو لكحل سنواته الأخيرة في صمت، بعيدًا عن الجبال التي عشقها وحماها. توفي سنة 1950، قبل أن يرى استقلال المغرب، ودُفن هناك بعيدًا عن مسقط رأسه. إن قصته ليست مجرد حكاية حرب، بل هي مرافعة دامغة ضد التهميش. إنها دليل على أن الريف لم يحارب بالشجاعة فقط، بل حارب بالعلم، بالتخطيط، وبالتكنولوجيا، وأن رجلاً واحدًا بـ”مخ ذهبي” كان يساوي في نظرهم كتيبة كاملة.
اليوم، ونحن ننبش في أوراق التاريخ، لا نملك إلا أن نقف احترامًا لهذا الرجل الذي أثبت أن الإرادة أقوى من الترسانة، وأن السماء لا تعترف بجوازات السفر الاستعمارية، بل تعترف بمن يجرؤ على التحليق فيها.














