ثاميمونت بوجيبار: السيدة الحديدية التي حملت “جمرة المنفى” مع الخطابي.. تحقيق في الظل

حسيمة سيتي1 مارس 2026آخر تحديث :
ثاميمونت بوجيبار: السيدة الحديدية التي حملت “جمرة المنفى” مع الخطابي.. تحقيق في الظل

في الوقت الذي تتسابق فيه أقلام المؤرخين لتدوين تحركات الرجال ومعاركهم، تظل هناك مساحات صامتة في تاريخنا الريفي، مساحات لم تكن فارغة يوماً، بل كانت ممتلئة بصمود نساء صنعن الفرق في الخفاء. نحن في “حسيمة سيتي”، وضمن سياستنا التحريرية الرامية لنفض الغبار عن الزوايا المعتمة في ذاكرتنا الجماعية، نفتح اليوم ملفاً استثنائياً لواحدة من هؤلاء النسوة: ثاميمونت بوجيبار، شريكة حياة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ورفيقة دربه في أصعب سنوات الجمر والمنفى.

من خلال تتبعنا الدقيق للوثائق التاريخية وشهادات الأحفاد، لا نرى في ثاميمونت مجرد “زوجة” لقائد عظيم، بل نراها عموداً فقرياً استندت عليه “جمهورية المنفى” العائلية لعقود. إنها ابنة محمد بوجيبار، القائد العسكري والمهندس الذي كان ذراعاً يمنى للأمير، مما يجعل زواجها من الخطابي تحالفاً استراتيجياً بين عائلتين حملتا همّ الريف على أكتافهما. لكن القصة الحقيقية لا تبدأ في أجدير، بل تبدأ حيث انتهت المعارك، على ظهر السفينة التي أبحرت بهم نحو المجهول.

لاريونيون.. اختبار الصبر في “القفص الذهبي”

تذهب تحليلاتنا في “حسيمة سيتي” إلى أن الدور الأكبر لثاميمونت برز بوضوح في منفى جزيرة “لاريونيون” (1926-1947). تخيلوا معنا سيدة ريفية، تُنتزع من جبالها الشاهقة ومحيطها الاجتماعي، لتُلقى في جزيرة استوائية نائية في المحيط الهندي، محاطة بحصار فرنسي خانق ولغة غريبة ومناخ قاسٍ. تشير المعطيات المتوفرة لدينا إلى أن ثاميمونت لم تكن مجرد ربة بيت، بل كانت “وزيرة داخلية” لإمارة صغيرة في المنفى. في “شاتو مورانج” (Château Morange)، ثم في “تروا باسان”، كانت هي من حافظت على اللحمة العائلية، وربت جيلاً من الأبناء (بمن فيهم الراحلة عائشة الخطابي) على الهوية الريفية والإسلامية، رغم أنهم كانوا يعيشون على بعد آلاف الأميال من الوطن.

نؤكد من خلال قراءتنا للمذكرات وشهادات العائلة، أن الأمير كان منشغلاً بمراسلاته السياسية وتأملاته الفكرية، بينما كانت ثاميمونت هي الدرع الذي يصد عن العائلة ضغوط الحياة اليومية في الأسر. لقد كانت تدير شؤون عائلة كبيرة (الأمير أنجب 11 ولداً وبنتاً)، وتضمن أن يظل “البيت الخطابي” متماسكاً أمام محاولات السلطات الاستعمارية لتفكيكه نفسياً.

القاهرة.. سيدة “بيت الأمة”

بعد الهروب الدرامي إلى مصر عام 1947، تغيرت المعادلة. انتقلت ثاميمونت من عزلة الجزيرة إلى صخب القاهرة التي كانت تغلي بحركات التحرر. رصدنا في أرشيفات تلك المرحلة أن منزل الخطابي في القاهرة لم يكن مجرد سكن، بل كان بمثابة “سفارة للثوار”. هنا، تحولت ثاميمونت إلى “الأم الروحية” للطلاب المغاربة والريفيين الوافدين، ولضيوف الأمير من قادة التحرر العالمي (مثل جيفارا وغيره ممن زاروا البيت). كانت تدير استقبالات هذا “البيت المفتوح” بكرم ريفي أصيل، رغم شح الموارد في بعض الفترات.

إننا في “حسيمة سيتي” نتوقف بتقدير كبير أمام حقيقة أن هذه السيدة عاشت وماتت في الغربة، ولم تعد إلى الريف الذي حملته في قلبها. توفيت في القاهرة ودُفنت هناك، تاركة خلفها إرثاً حياً تمثل في أبنائها وأحفادها الذين برزوا في مجالات عدة عالمياً (منهم العالمة أسماء بوجيبار في ناسا، حفيدة أخيها). إن قصتها درس بليغ يؤكد أن مقاومة المستعمر لم تكن فقط بالبندقية في جبل “قام ممس”، بل كانت أيضاً بالصبر والصمود داخل جدران المنازل في المنافي البعيدة.

المصدر تحليلات حسيمة سيتي الاستقصائية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق