تمرد على “القفة”.. حينما يُحاكم الفقير لأنه طالب بالسنارة لا بالسمكة!

تمرد على “القفة”.. حينما يُحاكم الفقير لأنه طالب بالسنارة لا بالسمكة!
حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث : منذ ساعتين

في مشهد يكسر رتابة الطوابير الطويلة وتطبيعنا الصامت مع مشاهد العوز، انتفض مواطن مغربي رافضاً تسلم “قفة رمضان”، تلك “الصدقة الرسمية” التي باتت طقساً سنوياً، مطالباً ببديل جذري: شغل يصون كرامته ويضمن قوت يومه طيلة السنة، لا مجرد زيت ودقيق ينفد قبل انقضاء الشهر الفضيل.

هذا الموقف الرجولي، الذي كان يُفترض أن يُقابَل بالتصفيق والدعم، تحول في منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة محاكمة غريبة. لقد تابعتُ بذهول كيف تحول جزء كبير من المعلقين إلى وكلاء دفاع عن السلطوية، مختزلين أزمة اجتماعية مركبة في سؤال سطحي واستعلائي: “بما أنه يرفض القفة، فلماذا سجل نفسه في اللائحة أصلاً؟”.

لائحة الفقر.. اعتراف رسمي لا صك عبودية

ما يتغافل عنه هؤلاء المنصبون قضاةً على نوايا البشر، هو أن مجرد وجود اسم هذا المواطن في لوائح المستفيدين يعني اعترافاً مؤسساتياً، استناداً لمعايير المندوبية السامية للتخطيط، بأنه يعيش تحت وطأة الهشاشة. تسجيله ليس جريمة، بل هو توثيق لحاجته. لكن، وبما أنه صُنف رسمياً ضمن الفئات الفقيرة، فمن حقه الطبيعي، بل والدستوري، أن يطالب بما هو أسمى من “الإعالة الظرفية”؛ أن يطالب بحياة كريمة يكون عمادها الشغل المستدام والدخل القار.

إن رفضه للقفة ليس ترفعاً، بل هو صرخة في وجه سياسة “المسكنات”. هو يقول بلسان حال الملايين: “أنا لا أريد أن أكون عالة عليكم كل رمضان، أعطوني فرصة لأعيل نفسي طيلة العام”. لكن العقلية التي أدمنت التبرير للسلطة تأبى إلا أن تلوم الضحية.

محاكمة النوايا بدل مساءلة السياسات

المثير للقلق حقاً هو تحول التعليقات إلى ما يشبه “محضر اتهام مفتوح”. يبدو وكأن أصحابها يمهدون الأرضية النفسية والاجتماعية لتبرير أي إجراء تعسفي قد يطال هذا المواطن، بدلاً من الاصطفاف معه في خندق واحد للدفاع عن حقه في التعبير. لقد انتقل النقاش بفضل هؤلاء من مطلب مشروع، وهو الانتقال من “منطق الإحسان” إلى “منطق الحق”، إلى نقاش عقيم حول سلوك الفرد.

هؤلاء المنتقدون لا يناقشون الفقر كظاهرة بنيوية ناتجة عن سياسات عمومية فاشلة وتوزيع غير عادل للثروة، بل يناقشون “أدب الفقير” وشكلياته. وكأن المشكلة تكمن في صرخة المتألم، لا في الشروط القاسية التي أنتجت ألمه ووضعيته.

الكرامة قبل الخبز

في نهاية المطاف، هذا المواطن لم يطلب المستحيل. لقد ذكرنا جميعاً بدرس قديم نسيناه في غمرة لهاثنا خلف قفف الدعم: الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، والكرامة ليست ترفاً فكرياً بل هي أساس المواطنة. إن الدفاع عنه اليوم هو دفاع عن حق كل مغربي في أن يُعامل كمواطن كامل الحقوق، لا كمشروع متسول ينتظر جود المسؤولين مرة كل عام.

المصدر صد منصات التواصل الاجتماعي - تحرير خاص
رابط مختصر
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة