عندما يتم محاصرة طرف رئيسي في المعادلة الإقليمية لعقود، وخنقه اقتصادياً وسياسياً، فإن الانفجار يصبح مسألة وقت لا أكثر. في ليلة درامية غير مسبوقة، تحولت سماء الخليج إلى شعلة حمراء، ليس احتفالاً، بل إيذاناً بتغيير جذري في قواعد اللعبة، بعد أن طالت طائرات مسيرة وصواريخ مواقع تمثل ‘البقرة الحلوب’ للاقتصاد العالمي.
رسائل نارية من تحت الحصار
لم تكن الأهداف عشوائية؛ فمصفاة ‘رأس تنورة’ في السعودية ومنشأة ‘رأس لفان’ القطرية تمثلان عصب الرأسمالية العالمية التي لطالما تغذت على ثروات المنطقة بينما تُفرض العقوبات القاسية والحصار الخانق على شعوب مجاورة. الرواية الرسمية سارعت كالعادة إلى إدانة الاستهداف واعتباره ‘عدواناً’، لكن الزاوية الأهم التي يتجاهلها الإعلام الرسمي هي: هل يمكن عزل دولة إقليمية كبرى، ومصادرة حق شعبها في التنمية والتجارة الحرة، ثم توقع أن تقف مكتوفة الأيدي؟
في اعتقادي، هذه الضربات، بغض النظر عن الجهة المنفذة، تعكس صرخة مدوية في وجه نظام اقتصادي عالمي أحادي الجانب. إنها رسالة واضحة بأن أمن الطاقة الذي يتنعم به الغرب وحلفاؤه لن يبقى محصناً ما دام هناك جيران يعانون من سطوة العقوبات وتكميم الأفواه الدبلوماسية.
ارتباك قطري أم ضغوط خارجية؟
وعلى نقيض ما يعتقده البعض من أن الإجراءات الدبلوماسية تحتاج إلى تأنٍ وروية، جاء الرد القطري متسرعاً ومثيراً للتساؤلات. قرار طرد الملحقين العسكري والأمني الإيرانيين ومنحهم 24 ساعة فقط للمغادرة، يعكس حالة من الارتباك العميق أكثر مما يعبر عن ‘قرار سيادي حازم’.
ربما نتساءل جميعاً: هل اتُخذ هذا القرار بشكل مستقل، أم أنه جاء نتيجة إملاءات خارجية وضغوط من قوى كبرى لا تريد لأي تقارب إقليمي أن يرى النور؟ إن قطع قنوات التواصل في وقت الأزمات هو سلاح العاجز، وخطوة قد تزيد من عزلة من يتخذها قبل أن تضر بالطرف المستهدف.
مآلات الصراع وميزان القوة الجديد
بينما تستمر ألسنة اللهب في رسم ملامح مرحلة جديدة، تهرول الدول المعنية لتفعيل بروتوكولات الطوارئ. لكن الحقيقة الموجعة التي تفرض نفسها هي أن الجدران العالية وأنظمة الدفاع المليارية لم تعد قادرة على حماية عروش النفط من غضب المضطهدين.
الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، وما حدث ليس سوى بداية لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، حيث لن يكون هناك أمن واستقرار لطرف على حساب تجويع وحصار طرف آخر.


















