لم تكن المساجد يوماً في الذاكرة الشعبية والتاريخية مجرد جدران إسمنتية تُفتح لأداء طقوس دورية ثم توصد أبوابها. بل كانت، وإلى وقت قريب، برلمانات شعبية، ومدارس فكرية، وملاذات آمنة للمهمشين. لكن المراقب للتحولات المجتمعية اليوم يصطدم بمفارقة صارخة: مآذن شاهقة وزخارف تكلف الملايين في أحياء ينهشها الفقر والبطالة، ومنابر تحولت إلى منصات لتسطيح الوعي واستنزاف جيوب البسطاء.
إن المتأمل في الخطاب الديني المعاصر داخل العديد من بيوت الله يلاحظ حالة من “الاغتراب الدعوي”. ففي الوقت الذي يواجه فيه الشباب أزمات طاحنة من بطالة، وهجرة سرية، وتصدع اجتماعي، تغرد الكثير من الخطب خارج السرب، مكتفية باجترار مواضيع تاريخية مفرغة من سياقها، أو التركيز على ترهيب نفسي يغلق منافذ التفكير النقدي ويعزز حالة من الاستسلام للواقع المتردي. هذا التغييب المتعمد للقضايا الحقيقية للمواطن البسيط يطرح تساؤلات مشروعة حول تحول هذه الفضاأت إلى أدوات لـ”غسل” الأدمغة وتدجين العقول بدل تنويرها.

أما الوجه الآخر لهذه الأزمة، فيتجلى في التحول المؤسف لبعض المساجد إلى ما يشبه “شباك تذاكر” أو منصات لـ”تسول مقنع” باسم الدين. حملات جمع التبرعات لا تنتهي، وصناديق التبرع تتكاثر عند الأبواب، تتصيد عواطف المواطنين الذين يقتطعون من قوت يومهم الهزيل بحثاً عن الخلاص الروحي. تُجمع الأموال الطائلة لتشييد جدران وتزيين أسقف، بينما يُهمل “بناء الإنسان”. أين هي أدوار التكافل الاجتماعي؟ أين صندوق المسجد من أرملة لا تجد إيجار غرفتها، أو شاب عاطل يبحث عن طوق نجاة، أو طفل انقطع عن الدراسة لعجزه عن شراء محفظة؟
إن صمت الجهات الوصية عن هذا الانحراف الوظيفي، واكتفاءها بهندسة خطب نمطية معلبة، يجعلنا أمام أزمة حقيقية. المواطن الذي يدخل المسجد باحثاً عن السكينة والحلول الأخلاقية لمشاكله، يخرج منه غالباً إما مثقلاً بعقد الذنب، أو مستنزفاً مالياً في مشاريع لا تعود بالنفع على مجتمعه المحلي. إعادة الاعتبار للمسجد تتطلب ثورة تصحيحية، تعيده كمركز للعدالة الاجتماعية، ومدرسة لبناء وعي نقدي حر يرفض استغلال المقدسات لتمرير أجندات نفعية أو تكريس التخلف.















