في لحظة دولية نادرة تكشف زيف الكثير من الشعارات الدبلوماسية، اختارت إسبانيا أن تقف في الجانب المعاكس للتيار الجارف. فبينما تُدق طبول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خرج رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ليضع النقاط على الحروف، رافضاً الانجرار خلف صراع وصفه بصريح العبارة بأنه «غير قانوني وغير إنساني».
لم يكن الخطاب الذي ألقاه أمام البرلمان الإسباني مجرد تسجيل موقف سياسي، بل كان بمثابة مرافعة قانونية وأخلاقية ضد عجرفة القوة التي تدفع العالم نحو الهاوية. لقد وضع سانشيز أصبعه على الجرح عندما حذر من أن هذا التصعيد سيكون «أسوأ بكثير من غزو العراق عام 2003»، وهي رسالة مبطنة تذكّر شعوب العالم بالكوارث التي خلفتها التدخلات العسكرية غير المدروسة في المنطقة.
رفض التبعية العمياء والسيادة أولاً
ربما نتساءل جميعاً: كيف تجرأت مدريد على قول «لا» لواشنطن؟ الحقيقة أن الرفض الإسباني لاستخدام القواعد العسكرية في «روتا» و«مورون» للطيران الأمريكي لم يكن مجرد قرار سيادي، بل انحياز واضح للقانون الدولي. لقد اعتبر سانشيز هذا الطلب «جنوناً مطلقاً»، في صفعة قوية لمحاولات تبرير العدوان.
هنا، لا يتحدث الرجل من فراغ؛ فهو يدرك أن طهران ليست مجرد رقم سهل. فقد شدد على القدرات العسكرية الإيرانية، مشيراً إلى أن لديها قوات نظامية تفوق ما تملكه ألمانيا وفرنسا وإيطاليا مجتمعة، بعد أربعين عاماً من الاستعداد لهذا السيناريو. هذا الاعتراف بالواقع الميداني يعكس فهماً عميقاً لمدى خطورة المغامرة العسكرية الحالية.
فاتورة الدم والاقتصاد المنهك
لكن الزاوية الأهم في هذه القضية هي التكلفة الباهظة التي يدفعها المواطن البسيط. لقد كشف رئيس الوزراء الإسباني عن رقم صادم: خسارة الشركات الإسبانية لـ 100 مليار يورو في أقل من شهر. لماذا يجب على شعوب العالم أن تدفع ثمن حماقات عسكرية لا طائل منها؟
سانشيز رفض صراحة تحميل المواطنين العاديين ضريبة أفعال قوضت استقرار الشرق الأوسط وأشعلت أزمات الطاقة والهجرة. إنها صرخة في وجه الهيمنة التي لا تبالي بآلام المستضعفين ولا بالاقتصادات المنهكة.
غضب أمريكي وتقدير إيراني
وكما كان متوقعاً، لم تتأخر ردود الفعل. في الوقت الذي وجهت فيه طهران شكرها لسانشيز، محولة إياه إلى «رمز للعدالة»، جاء الرد الأمريكي بلغة التهديد والوعيد المعتادة، حيث لوح ترامب بقطع العلاقات التجارية مع مدريد. وفي المقابل، تكتفي أوروبا الممثلة في ألمانيا وفرنسا بإصدار دعوات خجولة للتهدئة، لتبرز إسبانيا كصوت مستقل وقوي.
في النهاية، يضع هذا الموقف إسبانيا في مواجهة مباشرة مع واشنطن، لكنه يبعث برسالة أمل للشعوب المضطهدة: الوطنية الحقيقية لا تعني الانصياع الأعمى لتحالفات مدمرة، بل تعني الوقوف بشجاعة ضد أي حرب غير قانونية تسلب الأبرياء حقهم في الحياة والاستقرار.



















