في توقيت لا يتقنه إلا هو، عاد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ليمارس هوايته المفضلة في “تفكيك” الألغام السياسية، أو ربما زراعتها، لا أحد يعلم بالتحديد. فمن وسط العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، خرج “الزعيم” ليلقي علينا درساً في الجيوسياسية، جامعاً بين المتناقضات بمهارة يحسده عليها لاعبو السيرك.
“المتغطي بأمريكا.. عريان”!
استحضر ابن كيران روح الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، مقتبساً حكمته الخالدة: “المتغطي بأمريكا عريان”. يالها من مفارقة عبقرية! تأتي هذه الحكمة من زعيم حزبٍ قاد حكومة وقعت اتفاقيات التطبيع تحت المظلة الأمريكية نفسها. يبدو أن “الغطاء” الأمريكي يصبح دافئاً وشرعياً حين نكون في السلطة، ويتحول إلى “عُري” فاضح حين ننتقل إلى مقاعد المعارضة. إنها الواقعية السياسية في أبهى تجلياتها، حيث تتغير المبادئ بتغير الفصول والمقاعد.
جنرال في غرفة العمليات
لم يكتفِ ابن كيران بدور الواعظ، بل ارتدى قبعة “الجنرال”، محركاً الجيوش على رقعة الشطرنج الإقليمية. فها هو يدعو لتشكيل “تحالف سني” يضم العمالقة: مصر، السعودية، وتركيا. هكذا، بجررة قلم، قرر الزعيم توحيد المتنافرين، متجاهلاً تعقيدات السياسة الدولية، وكأن الدول مجرد قطع “ليغو” يمكن تجميعها بقرار حزبي من الرباط. يحذرنا من أن الدور قادم على تركيا ومصر، في سيناريو سوداوي يذكرنا بأفلام الخيال العلمي، حيث تتساقط الدول كأحجار الدومينو.
لا مع هؤلاء.. ولا مع هؤلاء
وفي قمة البراعة اللفظية، نجح ابن كيران في صياغة موقف لا يغضب أحداً ولا يرضي أحداً. فهو ضد الحرب على إيران (تضامناً مع الإسلام)، لكنه مع دول الخليج (تضامناً مع السنة والمصالح)، وضد التمدد الإيراني (لأنه خطأ لا يغتفر). خلطة سحرية تجعلك تتساءل: هل نحن أمام موقف سياسي أم وصفة طبخ معقدة؟ الخلاصة هي أننا يجب أن نكون ضد الجميع ومع الجميع في آن واحد، وهي مهارة لا يتقنها إلا الراسخون في علم الكلام.
ختاماً، يدعو ابن كيران لإحياء المغرب العربي وتوحيد الصفوف. دعوة نبيلة، لكنها تأتي في زمن يبدو فيه إصلاح “صنبور” العلاقات بين الجيران أصعب من وقف الحرب العالمية الثالثة. شكراً يا ابن كيران، لقد أعدت لنا الابتسامة في زمن الحرب، وأثبتَّ أن السياسة، كالمسرح، تحتاج دائماً إلى بطل تراجيدي-كوميدي.















