في الوقت الذي كنا ننتظر فيه حلولاً سحرية تخرج المدينة من عنق الزجاجة، يبدو أن “الشركة الجهوية المتعددة التخصصات” قد قررت أن تهدي ساكنة الحسيمة ومهنييها كابوساً جديداً يحمل عنوان: “فواتير برتبة قنبلة موقوقة”. لم يعد الأمر مجرد شكاوى عابرة في المقاهي، بل تحول اليوم إلى انتفاضة منظمة يقودها مهنيو قطاع يعد الشريان الاقتصادي الوحيد المتبقي لمدينة تتنفس بصعوبة.
دعونا نتحدث بصراحة ودون مساحيق تجميل؛ ما يحدث اليوم في قطاع الماء والكهرباء بالحسيمة ليس مجرد “اختلالات تقنية” كما يحلو للبعض تسميتها لتلطيف الأجواء، بل هو -حسب صرخة المهنيين- عملية “استنزاف ممنهج” لجيوب فئة وقفت صامدة في وجه الأزمات المتتالية، لتجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الدفع أو الإفلاس.
أرقام فلكية وضرب تحت الحزام
الاجتماع العاصف الذي عقده فرع الحسيمة للجامعة الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم لم يكن اجتماعاً روتينياً، بل كان أشبه بغرفة عمليات لتشريح جثة قطاع يحتضر. الشهادات التي استقيناها من قلب الحدث تؤكد أن الفواتير الأخيرة حملت مبالغ لا يمكن وصفها إلا بـ”الخيال العلمي”. هل يعقل أن تتضاعف الفاتورة بين عشية وضحاها في ظل ركود تجاري يشتكي منه القاصي والداني؟
والأخطر من الأرقام، هو ما كشفه المهنيون عن “تلاعب” في مدد الاحتساب، حيث يتم تجاوز السقف الشهري القانوني، مما ينقل الأشطر إلى مستويات عليا تلتهم ما تبقى من هامش الربح البسيط. هذا السلوك، إن ثبت، فهو ليس مجرد خطأ، بل ضرب في عمق المصداقية والشفافية التي سوقت لها الشركة الجهوية يوم قدومها كـ”منقذ” للقطاع.
وعود تتبخر ومعاناة تتجذر
ربما يتساءل الرأي العام المحلي: أين هي الوعود؟ أين هي تلك الشعارات البراقة حول تجويد الخدمات وعقلنة الفواتير؟ الواقع الميداني يؤكد، حسب المحتجين، أن كل تلك الوعود بقيت حبراً على ورق، مجرد مسكنات لامتصاص الغضب لم تجد طريقها للتنزيل. المقاولة الصغيرة والمتوسطة في الحسيمة اليوم لا تواجه فقط غلاء الأسعار، بل تواجه شبحاً يهدد وجودها، وينذر بتسريح مئات العمال، مما يعني قنابل اجتماعية موقوتة في بيوت آلاف الأسر.
التصعيد.. الخيار الأخير
أمام سياسة “الآذان الصماء”، لم يجد المكتب المحلي للجامعة بداً من إشهار ورقة الشارع. الوقفة الاحتجاجية المزمع تنظيمها أمام مقر الشركة ليست غاية في حد ذاتها، بل هي صرخة استغاثة أخيرة لفرض الجلوس إلى طاولة الحوار مع أصحاب القرار الفعليين، لا مع من يملكون سلطة التسويف فقط.
والأكثر جرأة في هذا الحراك، هو التلويح بـ”عصيان الفواتير”؛ التوقف المؤقت عن الأداء كشكل نضالي حضاري للضغط من أجل مراجعة شاملة وعادلة. هذه الخطوة، إن نُفذت، ستكون سابقة تعكس حجم الاحتقان واليأس الذي وصل إليه المهنيون.
ختاماً، الكرة الآن في ملعب الجهات الوصية. هل ستتحرك السلطات الإقليمية والشركة الجهوية لفتح تحقيق جدي ونزع فتيل هذه الأزمة قبل فوات الأوان؟ أم أننا سنشهد خريفاً ساخناً يعصف بما تبقى من السلم الاجتماعي في هذه المدينة المنهكة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
















